

الـوعي وإتـاحة الحقيقــة والنســيان (الجــزء 2):-
قـد يكـون فـي الرفـض والخيـانة والفقـدان، بـداية اسـتعادة القـوة الداخليـة لأنـارتها كبـديل للظـلام أو الضـبابية والرمـادية.
الرفـض لا ينقـص مـن قيمـة المـرء شــيئا، بـل يكشــف الحقيقـة فقــط، حـتي لا يـري المـرء محيطـه مـن خـلال الأمـاني والحـاجـات والتعـلق. وعـلي الـواعي والعـاقل إن يـدرك إن لكـل إنسـان وجهـين، وجـه ظـاهـر ووجـه حقيقـي مختفــي، ويجـب عليـه إدراك الـوجـه الآخـر بالبصـيرة وليـس الصــبر. قـد يعتقــد البعـض إن فـي الـرفض الألـم والعقــاب، لكـن الحقيقــة إنـه رحمـة من الله سـبحانه وتعـالي، ليفــيق المــرء مـن الغفــلة والجهـالة بمحيـطه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. سـورة التغـابن 14).
أمـا عـند التجـاهل يكـون الصـمت هـو أقـوي رد، الصـمت ليـس عجـزا بـل سـيطرة عـلي النفـس، وحفـظ للوقـار وتمسـك بالأدب، وحينهـا يتـولي الله سـبحانه وتعـالي الـدفـاع عـن عبــاده (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ. سـورة الحـج 38)، الصـمت يجلـب الســكينة والصـبر مفتـاحها (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ. سـورة الـزمـر 10).
لـذا يجـب عـلي كـل واعـي وعـاقل إدراك، إن النـاس أســباب والفـاعل هـو الله سـبحانه وتعـالي. فالنـاس لا يفعــلون شـيئا بذاتهـم أو مـن تلقـاء أنفســهم، الله سـبحانه وتعـالي هـو الفـاعل الحقيقـي وما النـاس إلا أدوات، ومـن يرتبـط قلبـه بالنـاس أصـابه القـلق والتـوتر، ومـن يرتبـط قلبـه بالله سـبحانه وتعـالي وجـد التحـرر والخـروج مـن التيـه، والألـم المؤقــت بوتقــة التطـهير مـن الخبـث، الألـم بعـين البصـيرة هـو تزكيـة النفـس. فمـا ذهـب هـو وهـم وســراب وأمـان زائــف، لتحـل السـكينة والصـفاء بـدلا منـه. فكـل ما يفقـد ليـس بخسـارة، بـل إزالـة للحـاجز للوصـول إلـي النضـج والرشــد. والقلـب لا يتسـع لوجهتيـن، أما إن يكـون مشـغولا بالخـلق الـزائـل، وأمـا إن يتجـه إلـي الخـالق البـارئ المصـور، وهـو الـدائم الحـي القيـوم الأول والآخـر. لـذا وضـع الطـاقة النفسـية نحـو النفـع والفكـر، حيـث النمـو والثقـة حـيث لا خـذلان، وهـي الاكتفــاء
بمعيـة الله سـبحانه وتعـالي، وهنـا يـتم اختيــار السـلام الداخـلي والسـكينة، بـدلا مـن الجـدال والتبـرير والأســتنزاف.
عـندما يـوقن المـرء إن الله سـبحانه وتعـالي كافيـــا، تصــغر الدنيــا وتتضــاءل، فرضــا النـاس ليـس شـرطا للسـلامة أو البقــاء، فالله سـبحانه وتعـالي هـو المعطـي والمـانع والنـافع والضـار، وهكـذا يســقط التعـلق بالنـاس بشــكل تلقــائي، فالحـرية الحقيقــة عـندما يكتفـي المـرء بـربه، فلا يتوســل الاهتمـام، ولا يخـاف مـن الفقــد، ولا ينهــار عـند الخـذلان.
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. سـورة الأنعـام 32.
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. سـورة الحـديد 20.
عـند الاكتفــاء بالله سـبحانه وتعـالي، يسـيطر السـكون المحمـود عـلي المـرء، وهـو الطمـأنينة التـي لا تـزول بـزوال الأشـخاص، ومـن ذاق هـذا، إدرك إن الفقـد والرفـض والخـذلان، كـان أول الخطـوات عـلي طـريق الطـاعة والـوعي.
أكتفـي بهـذا القـدر ونكمـل فـي الأجـزاء القـادمة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خـالـد عـبد الصـمد.
أضف تعليق