

الـوعي وإتـاحة الحقيقــة والنســيان (الجــزء 3):-
قـال الله سـبحانه وتعـالي (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. سـورة آل عمـران 140)، أبــواب تغــلق، وأبـواب تفتــح، وجميعهـا بـأمـر الله سـبحانه وتعـالي، الغـلق والفتـح مـراحـل واختبــارات لابـد مـن المـرور بهـا. فمـا يحـدث ليـس صـدف أو عشــوائية، إنمـا ســنن للكشــف والفـرز والغـربلـة، الـواعي المتـدبر يـدرك إن الحـادث مـا هـو إلا رسـائل عميقــة، يلـزم تأملهــا بهـدوء للوصـول إلـي مرحـلة آخـري أكـثر ارتقــاء، قـد تكـون مرحـلة لا عـودة منهــا، وهـي مرحـلة الأشـراق الداخـلي، تغــيير مـن الـداخـل لا مـن الخـارج. هنــاك لحظــات لا تـراها الأبصــار، بـل تدركهـا البصـيرة، وهـي لحظــة اصــطفاء الـوعي، وكأنهـا زراعـة المـزيد مـن بـؤر اليقــين النورانيـة فـي الصـدر. فالله سـبحانه وتعـالي يسـوق مـن إرهقــه البحـث إليـه، فمـن انكسـر لله سـبحانه وتعـالي لا يعـاد ترميمـه، بـل يعـاد خلقـه خلقــا جـديدا. الله سـبحانه وتعـالي يعـلم مـن يشـاء مـن عبـاده درس الصــبر (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ. سـورة الـزمـر 10)، فاليقـين لا يقـاس بمـا يعطـي المـرء، بـل بمـن يسـلم أمـره كلـه لله سـبحانه وتعـالي. الأشـراق لا يحـدث إلا بعـد نـزع الطـبقات والأفكـار والصـور، التـي تحيــا عـلي الضـبابية والرمـادية فـي النفـس. وهـذا الأشـراق للـداخـل قبـل الخـارج، حينهــا يـري المـرء دون إن يتـكلم، ويفهـم دون إن يجـادل، ويتحـرك دون الحـاجـة للـدعم الخـارجي. حينهـا يـدرك المـرء إن الألـم ليـس عـدوا بـل رسـول لليقظــة، وإن الخسـارة ليسـت لعنــة، بـل بوصـلة لتصـحيح المسـار. والله سـبحانه وتعـالي يرتـب الأمـور ترتيبــا محكمــا، فالتأخـير والمنـع للتطــهير والتهيئـة لمرحـلة مقبـلة، ومـن كـان فـي معيـة الله سـبحانه وتعـالي، أنحـني لـه الزمكـان ليكـون المـرء أشـد قـربا من الخـالق البـارئ المصـور. وعـندما يشـعر المـرء بالقـرب مـن الله سـبحانه وتعـالي، يسـكت ليفهـم، ويـترك ليصــل، ويرضـي لكـي يفتـح له ما لا يفتـح بالسـعي وحـده، وهكـذا يـتم الخـروج مـن الزمكـان، فاليقــين حينهـا لا يصـارع المعـني، بـل يحـلل ويتـأمل لتـأويل المعـني الحقيقـي المجـرد (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا. سـورة المـزمـل)، فالصـبر ليـس عـلي البـلاء فقـط، بـل عـلي الفهـم، والامتحـان هنـا فـي التواضــع ومراقبـة النيــة، فيعـاد توجـه القلــب إلـي الفطـرة السـليمة بـلا غـرور وبـلا حـزن. وهـذا هـو صـمت التكـوين السـابق للرسـوخ، ومـن يـري بنـور الله سـبحانه وتعـالي، لا يرضـي ولا يقـع بالعمـي لو زخرفــت له الدنيـا كلهـا. والقلـب الـذي تعـلم إن يثــق بالله سـبحانه وتعـالي، لا يحتـاج إن يفهـم كـل شـئ كـي يطمـئن، ولهـذا يفتـح الله سـبحانه وتعـالي المعـاني والحـق رويـدا رويـدا، ولهـذا قـال الله سـبحانه وتعـالي لنبيـة صـلي الله عليـه وسـلم.
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. سـورة المـزمل 5.
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا. سـورة المـزمل 8.
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا. سـورة طـه 114.
لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ. سـورة القيـامة.
وقـال الله سـبحانه وتعـالي عـن النـور فـي كلمـاته:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا. سـورة النسـاء 174.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ. سـورة المـائدة 15.
وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. سـورة الشـوري 52.
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. سـورة التغـابن 8.
وبعـد التهيئــة يصـير الإدراك أعمـق مـن الكـلام، والصـمت أصـدق الشـرح، ومن اســتقام فـي الـداخـل، اســتقام فـي الخـارج بشـكل تلقــائي. فالـواعي قـد تتغـير عـلاقته بالنـاس دون خصـام، وقـد يبتعــد دون كراهيــة، وقـد يقــترب دون تعـلق، وهـذه هـي التنقيــة التي لا تشـعر المـرء بالوحـدة فـي خلـوته وعزلتـه المحمـودة.
فـي هـذه الـوحـدة الجـلوس بيـن عالمييـن، عـالم الـواقع فـي الدنيــا، وعـالـم الغيــب فـي اليقيــن، وكـأن المـرء عـلي حـدود البـرزخ (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. سـورة المؤمنـون 100)، ويتضـح معـني كلمـة بـرزخ مـن الآيـات التاليـة (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ. سـورة الرحمـن – أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. سـورة النمـل 61)، البـرزخ حـاجـز غـير مـرئي لكنـه حـاجـز.
فـي هـذه الـوحـدة يعـاد الترتيــب للارتقــاء، فالأحـداث تمـر بلطــف، والداخـل يصــير أكـثر اتســاعا، وما كـان يقـلق ويـربك بالأمـس، صـار معلمـا دون اســتفزاز.
العـالم كمـا هـو، لكـن الشـعور بـه هـو مـن تغــير، فالـرؤية صـارت شـمولية، وغـير محـدودة مـن زاويـة دون آخـري. وهنـا يبـرز دور المـيزان، فمـن أختــار الخفـاء رفعـه الله سـبحانه وتعـالي، ومـن أختـار الصـدق والحـق ثبتـه الله عـلي الإيمـان. وهنـا يصـير المـرء حقيقـة لا صـورة، وقـدرة عـلي تحمـل الأمـانة بدلا من السـعي إلي السـلطة، وعـند التعــود عـلي هـذا النـوع مـن السـلام والسـكينة والطمـأنينـة، لـن يســتبدل بضـجيج العـالـم مهمـا كـان بـراقـا. الصـدق هـو البـاب الوحـيد الـذي يفتــح منـه النـور دون كلفـه، وكلمـا أتســعت فتحــة البــاب، أزداد الأشــراق. وكلمـا أزداد الأشـراق أصـبح الله سـبحانه وتعـالي هـو المـرجع الأول، فتتحـول النظــرات والرغبــات والمـركز الـداخـلي إلـي الله دون ســواه. فالاكتفــاء بالله سـبحانه وتعـالي غـاية كـل عـاقـل وواعــي، وبالرضــا قـد يكـون المنـح للقـبول الإلهـي.
الماضـي مرحـلة انتهــت، والعـاقل مـن يـدرك إن هنـاك نـاس يمـرون لإيقــاظ جـروح لا لتضــميدها، وآخـرين كـان مـرورهم لتـأدية دورا مـا، وهـذا الفهـم يحـرر المـرء مـن التعـلق بالماضـي دون قســوة للقلــب، فيـتم تذكـر الماضـي دون ألـم، ونتعـلم منـه دون نـدم. فالهـداية ليســت معـلومة، بـل مسـار يعـاش بعمـق، والأشـراق ليـس حـدثـا، بـل حـالـة تنمــو وتـزدهـر، وهـذا هـو الخطـوات عـلي الصـراط المسـتقيم. ومـن عـرف السـكينة لـم يعـد يركـض خلـف كل شــئ، بـل صــار يختــار مـا يســمح لـه بالاقــتراب، ليـس خـوفـا بـل وعيــا. عـندما تســيطر اللغـة الداخليــة، لـم تعـد الكلمـات السـطحية تتـرجم مـا يجـري فـي العمـق أو فـي المحيــط، وهنـا يتضـح إن الصـمت صـار أمـانة لا للتفـاخر بـل للتزكيــة، والله سـبحانه وتعـالي يبعـد العـبد الصـالح، عـن مـواطـن الفتــن تلقــائيا، لآن هـذا العبــد أثمـن مـن إن يســتنزف فـي الجـدال والغـوغاء والضـجيج.
أكتفـي بهـذا القـدر ونكمـل فـي الأجـزاء القـادمة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خـالـد عـبد الصـمد.
أضف تعليق