

الـوعـي والكونيـــات (2).
درب التبــانة.
قـال الله سـبحانه وتعـالي (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. سـورة فصـلت 53).
فـي ليـلة صـافية وبعيـدا عـن أضــواء المدينـة، يمكـن رؤيـة المئــات وربمـا الآلاف مـن النجـوم بالعـين المجـردة. وهـو رقـم ضئيـل جـدا مقـارنة بعـدد النجـوم فـي مجـرتنا (درب التبـانة)، والـذي يتجـاوز مـائة مليـار نجـم فـي أقـل تقـدير. ورقـم أقـل ضـآلة مقـارنة بنجـوم الكـون المـرئي، والـذي يسـتطيع الإنسـان رصـده والذي يتجـاوز تريليـونات المجـرات.
الكـون تتـزاحم فيـه الطـاقة والمـادة، حيـاة ليسـت كحيـاتنا لكنهــا حيـاة أوجـدها خـالق كـل شـئ (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. سـورة الـرعد 15 – وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. سـورة النحـل 8 – أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. سـورة النحـل)، هنـاك خـلق لـه حضـارته لكـن بلا ضـوضـاء وبـلا ضـجيج (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ. سـورة الأنعـام 38).
هـذا التنـاقض لمـن لا يقيــن عـنده، بيـن الاحتمـال العـالي لـوجـود حيـاة، وبيـن غيــاب آي دليـل علمـي عليهــا. يسـمي فـي العـلم مفـارقة فيـرمي، وهـو ســؤال طـرحه الفيـزيائي الإيطـالي إنريكـو فيـرمي ســنة 1950م “إذا كـان الكـون شـاســعا ومليئــا بالنجــوم، فأين الجمـيع؟.
ومـن أشـهر التفسـيرات:-
1- الحيـاة نـادرة جـدا، والمقصـود هنـا الحيـاة البيـولوجيـة وليســت حيــوات آخـري.
2- المرشــح العظـيم The great filter، هنـاك حـاجـز يمنـع تطـور الحضـارات إلـي مـرحـلة الانتشـار فـي الفضـاء، وهنـا يلـزم حسـن تـدبر قـول الله سـبحانه وتعـالي (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ. سـورة الرحمـن 33). مع ملاحظــة إن حيـاة الإنـس بيـولوجيـة، وحـياة الجـن طاقيـة، وذلـك نظـرا لطـبيعة الخـلق كمـا جـاء فـي القـرآن الكـريم (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ. سـورة الرحمـن)، فهنـاك قـوانيـن وسـنن إلهيـة صـارمة للخـلق لا يمكـن تجـاوزها أو الخـروج عليهـا.
3- نحـن فـي حديقــة حيـوانات، وفرضــية إن الحضـارات المتقـدمة تراقبنــا دون تـدخـل، عـلي اعتبــار أن الإنـس تجــربة، وهنـا يلـزم حسـن تـدبر قـول الله سـبحانه وتعـالي (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ. سـورة الأعـراف 27).
4- المسـافات شـاسـعه جـدا وغـير محـدودة للراصـد البشـري (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. سـورة الذاريـات 47).
5- نحـن لا نبحـث بالطريقـة الصـحيحة، قـدراتنـا وأجهـزتنا تتعـامل مـع تقنيــات غـير مفهـومة لكونهـا غـير مـدركـة.
مـن الإحصـائيات الفلكيـة التـي اسـتخدم فيهـا تليسـكوب كيبـلر، هنـاك أعـداد هـائـلة مـن النجـوم التـي تمـلك كواكـب تـدور حولهـا، وهنــاك الكـثير من الكواكـب بحجـم الأرض، تـدور فـي منطـقة صالحـة للحيـاة Goldilocks zone، والبحـث بكـل تأكيـد عـلي حيـاة بيـولوجيـة، قـد تشـبه حيـاتنا عـلي الأرض “يابسـة – ميـاة – غـلاف جـوي – درجـات حـرارة مناسـبة”.
عمـر مجـرة درب التبـانة التقريبيـي حـوالي 13.60 مليـار ســنة، وعمـر المجمـوعة الشـمسـية والتـي هـي نقطـة أو جـزء ضـئيل فـي مجـرة درب التبـانة 4.80 مليـار ســنة، آي أن عمـر مجمـوعتنا الشـمسـية حـوالي 35% مـن عمـر المجـرة. وهـذا يعـني أن هنـاك أكـوان ونجـوم وكواكـب أقـدم منـا بمليـارات السـنين.
وهنـا يتسـاءل البعـض، هـل الفلتــر “الحـاجز” فـي ماضــينا أو فـي مســتقبلنا؟.
فـي تقــديري لا فـارق، ففـي الـزمن الحقيقـي بعـيدا عـن ماديتنــا المحـدودة، الماضـي والمسـتقبل متلازمـان، والحاضـر مـا هـو إلا حـد فاصـل بينهمــا، عـنده لا يمكننــا العـودة إلـي الماضـي أو الـولوج إلي المسـتقبل، بـل قـد يغـير المسـتقبل الماضـي إذا أحسـن العمـل فـي المسـتقبل، ولذلـك يـلزم حسـن تـدبر قـول الله سـبحانه وتعـالي (وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ. سـورة الطـور – وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ. سـورة آل عمـران 145 – وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ. سـورة الأنعـام 59).
الـزمـن مـا هـو إلا فقـاعة يحيـا الإنسـان بداخلهــا، وفـي كـل الأحـوال الكـل هالـك طالمـا خاضـع للشــيئية، فالشــيئية كـافة خلقــت لأجـل مسـمي مهمـا طـال الـزمن ومهمـا قصــر (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. سـورة القـصص 88).
كـل الحضـارات والتكـنولوجيـا إلـي زوال، عـندما يتمـرد الإنسـان عـلي ماهيتـه ومحـدوديته، تحـت مـزاعـم أنـه قـادر عـلي الشــيئية (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. يونـس 24)، الهـلاك يأتي بأمـر مـن خلـق الشــيئية لتمـرد الشـئ (الإنسـان)، عـلي الســنن والقوانيـن دون أن يـدرك أنـه ظلـوما جهــولا.
للأسـف يخـرج علينـا خـرائط نفسـية لمجمـوعة مـن البشـر، تخلـط الثابــت بالضـلال تحـت ألفـاظ ومسـميات مـا أنـزل الله سـبحانه وتعـالي بهـا مـن ســلطان، وتحـت مسـميات التنــوير المفـرغ مـن المعـاني والمضـامين، تنهــار الثوابــت وتطفــو الأضـاليل والأكاذيــب (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. سـورة البقـرة 204 – وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ. سـورة لقمـان 6).
أكتفــي بهـذا القـدر ونكمـل فـي الأجـزاء القـادمة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خـالـد عـبد الصـمد.
أضف تعليق