

مناجاةُ العبور
بقلمي هدى عبده
في حضرة الصوم الشريف تأمُّلي
متوهّجٌ… والروح فيه تُجلّي
يمضي الزمان كأنه ومض السّنا
بين الغفول ولحظة التجلّي
عبرت درب العمر دون توقّفٍ
من بعد ثلاثينٍ… لأربعين… لخمسين… انجلي
وكأنّ دهراً كاملاً في غمضة
طُويت صحائفهُ سريعاً وانطوى ظلّي
أين الطفولة؟ أين ضحكتها التي
كانت تُطلُّ على المدى كالتّهلّلِ؟
أين الشباب وقد توهّج عزمُهُ
كالنجمِ في أفقِ الطموحِ المُقبلِ؟
واليوم أقف والسنون بوجنتي
خطّت حكاياها بسرّ مُثقل
شيبي غمامٌ في الرؤوس تناثرت
أمطاره… فغدا الوقار تحلّلي
والساعة العمياء تمضي لا ترى
قلق القلوب ولا تُؤخرُ مرجلي
لكنّ صمت الصوم أيقظ مهجتي
فسمعت صوت الحقّ بعد تزلزلِي
علّمتني الأيام أنّ كراهةً
حِملٌ ينوء به الفؤاد ويبتلي
والحبّ سرّ اللهِ في أسمائه
وبه تُضاءُ عوالمُ المتحوّل
ما الصوم إلا أن نُعيد قلوبنا
بيضاء… من درنِ الخطايا تُغسلِ
أن نستعيد الذات بعد تشتّتٍ
ونضمّ شمل الروح قبل الترحّلِ
كل الذين مروا بحياتي آيةٌ
بعض كظلّ عابرٍ… أو منجلي
بعضٌ أقام بمهجتي متجذّراً
كالشمس في كبد السماءِ المُقبل
ورحلت أرواحٌ فخلّفت الأسى
عذباً… كذكرى الطهرِ حين تأمُّلِي
لكنّ بين الدعاء مسافةً
تُطوى… فيرجع وصلهم في مخملي
فالروح تعرف أنّ هذا البعد لم
يكن الفراق… بل انتقال الموصلِ
والآن أدرك أنّ “آنَ” حياتِنا
هو كل ما نملكهُ في المُرتحلِ
فالمستقبل المجهول وعدٌ غامضٌ
والماضي المختوم غير مُبدّلِ
لكنّ لحظة خشعة في خلوةٍ
تزن الزمان بأسره في المثقلِ
يا ربّ إنّي قد بلغت محطّةً
فيها أرى سرّ الوجود المؤمّلِ
ما العمر إلا عودةٌ متدرّجٌ
نحو الأصل… نحو النور… نحو الأكمل
فاجعل ختام السير حُسن تبتّلٍ
واجعل لقائي في رضاكَ تجمّلي
إن كان دربي قد تلوّن بالأسى
فاللطف منك يمدّني ويكفّلِ
خذني إليك وقد خلعت تعلّقي
إلا بحبّكَ… يا ملاذ توكّلي
فإذا انتهى عُمري وصار حكايةً
فليَ الأثر الباقي… بحبٍّ يُجتلى
ما العمر إلا عابرٌ في حضرةٍ
والباقيات الصالحات… تخلّدي
واجعل أواخر أيّامي منحةً
فيها أراكَ بقلب صدق مُقبلِ
فالروح إن صفت المرايا داخلًا
أبصرت وجه النور دون تمثّلِ
يا ربّ ها أنا عائدٌ في صمتي
متخففاً… متطهراً… متوكلي
إن لم أكنْ أهلاً لقربِكَ رحمةً
فالقربُ منك هو الرجاءُ ومعقلي
فاختم كتاب العمر يا ربَّ الورى
بخواتم الرضوان… خير تنقّل
د. هدى عبده ✒️
أضف تعليق