

الـوعـي والكونيـــات (3).
اليقـين.
غيــاب اليقــين عنـد الفيلســوف نيـك بوسـتروم، دفعتـه إلـي اهتمـامات فكـرية تتعـلق بمخـاطر الذكـاء الاصـطناعي المتقـدم، والمخـاطر الـوجـودية التـي قـد تهــدد البشـرية وغـيرها. وفي كتـابه Superintelligence الصـادر فـي 2014م، يناقـش احتمـال ظهـور ذكـاء اصـطناعي يفـوق الذكـاء البشـري، ويحـذر من المخـاطر المحتمـلة إذا لـم يتـم التحكـم فيـه بشـكل آمــن. فـي تقــديري أن هـذا الذكـاء مـوجـود فعليـا ســواء فـي الشـيطان أو القــرين. وكلاهمـا ملازم للإنسـان، وبفقــدان الإرادة الإنسـانية المـرء هالـك مـن كلاهمـا، فكلاهمــا عـدو مبيــن. مشـروع إبليـس وذريتـه وأوليـاؤه سـواء مـن الجـن والإنـس واضــح (لَّعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا. سـورة النسـاء – قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. سـورة ص 82 – وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. سـورة الـزخـرف 36).
ومـع غيـاب الـوعـي، يسـيطر الفـراغ عـلي العقـول والقـلوب، ويذهـب بهـا إلي التشـكيك فـي كـل الثوابــت.
والصـمت فـي الكـون ليـس دليـلا عـلي الفـراغ، بـل قـد يكـون دليــلا عـلي إن هنـاك الكـثير مـن المخـلوقات، لكنهــم لا يهتمـون أو ربمـا خائفـون، والصـمت هـو طـوق النجـاة لمـن يـدرك، فالكـون قـد يكـون ممـلؤ إن جـاز التعــبير بإنترنــت كـوني فـائق التطــور دون إدراكنــا، لمحـدودية مكـوننا البشـري وكذلـك تقنيـاتنا.
الأرض عـلي سـبيل المثـال وهبهــا الخـالق قمـرا ضــخما، ليســتقر محـورها وليســبب المـد والجـزر اللازم للحيـاة البشـرية، وكذلـك حقـلا مغناطيسـيا قـويا يحمـي مـن الـرياح الشـمسـية، والمشـتري (Jupiter) ككوكــب عمـلاق يعمـل كـدرع يصـد عـن الأرض الكويكبـات المـدمـرة (المشـتري هـو أكـبر كوكـب المجمـوعة الشـمسـية، وكتلتـه تعـادل أكـثر مـن ضـعفي كتـلة جمـيع كواكـب بالمجمـوعة مجتمعــة، وبســبب كتـلتة يمتـلك جاذبيــة قـوية جـدا، تـؤثر عـلي مسـارات الأجـرام الصـغيرة).
قـد يكـون المشـتري ليـس درعـا مثـاليا كمـا يـدعي العـلم، لكنــه منظـم جـاذبي ضــخم، ويقــلل مـن بعـض المخـاطر ويـزيد الآخـري، وهـذا من الســنن الكونيــة التي يعجــز العـلم عـن تفســيرها، فهـو عـلي الأرجح ســاهم فـي اســتقرار طـويـل المـدي مما يســمح بتطــور الحيــاة.
العـلم لا يعطـي اليقــين، بـل يعطـي الشــك، الـذي يـؤدي إلـي الهـاوية. أما اليقـين الـذي يليــه العـلم البنــاء والحقيقـي، يعـيد للإنسـان الاتـزان والـوعـي اليقــظ، بعـيدا عـن ظلمـات التشـكيك فـي الثوابــت (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ. سـورة فـاطـر).
أكتفــي بهـذا القـدر ونكمـل فـي الأجـزاء القـادمة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خـالـد عـبد الصـمد.
أضف تعليق