أستاذٌ أبديّ… وطالبٌ أبديّ:
اعترافات على عتبة المعرفة.

بين هيبة “المنصة” وتواضع “المقعد”، تقف الحقيقة عارية من الألقاب.
ليس التعليم مجرد نقلٍ للمعلومة، بل هو رحلة استكشافٍ تبدأ حين ندرك أننا لا نملك كل شيء.
في هذا البوح، أضع مرآتي أمام روحي، لأرى الأستاذ الذي يسكنني، والطالب الذي لا يزال يسكنه.
في زمنٍ تُقاس فيه القيمة بما نملك من أجوبة، لا بما نجرؤ على طرحه من أسئلة، أجدني أعود إلى داخلي.
لا لأُثبت ما أعرف، بل لأراجع كيف أعرف.
في لحظة صمتٍ تتوهج فيها مرايا الروح، أجدني أقف على عتبة نفسي متأمّلًا.
أكتب هذا الاعتراف لا ليُدرّس، بل ليُضيء.
هذا الاعتراف ليس درسًا، بل همسٌ في آذان القلوب المتعبة من وهم الامتلاك.
دعوةٌ إلى أن يبقى كل أستاذٍ طالبًا، وكل طالبٍ أستاذًا في رحلة لا تنتهي.
من يدّعي أنه معلّم أو أستاذ، فلا ينبغي له أن يتوقف عن التعلّم.
هذه ليست كلمات عابرة، بل نارٌ أكلت جذوع الغرور في داخلي، فتحوّلت إلى جمر حكمة أحملها بين ضلوعي.
كنتُ يومًا أظن أن المعرفة كنزٌ أحرزتُه في صدري، فأصبحتُ منبعًا لا ينضب.
لكن الزمن علّمني أن الكنز الحقيقي ليس في الاحتفاظ به، بل في دفعه إلى الأمام.
كالنهر الذي يجري فلا يتوقف عن التلقّي من ينابيع جديدة.
كم من مرةٍ أحسستُ أن الوقوف عند حدٍّ من العلم موتٌ بطيء للروح؟
وأن الطالب الذي أمامي هو مرآتي التي تكشف عيوبي.
كلما أغلقتُ باب قلبي على ما أعرفه، ضاقت الجدران حولي، حتى كأن الدنيا تضيق بنفسي.
ويبدأ الطلاب يرون فيّ ظلًّا يتوارى عن الضوء، لا إنسانًا يتجلّى بالحياة.
فكيف أدّعي أنني أنير إذا كنت أخاف من الظلام الذي ينتظر كل من توقّف عن السير؟
الظلام هنا ليس عدَمًا، بل هو الجمود الذي يحوّل العالم إلى قبرٍ متنقّل، والأستاذ إلى ظلٍّ يردّد صدى الغابرين.
أتذكّر لحظات كثيرة، حين يخرج سؤال من فم طالب بريء فيه من العمق ما يهزّ أركان معرفتي.
ويسقط ما ظننته يقينًا.
هنا يتجلّى لي أن التعليم ليس إلقاءً لما أحفظه، بل هو ملحمة مشتركة بين روحين تبحثان.
ورحلة صيدٍ لا نعرف فيها أينا الصائد وأينا الصيد.
إن توقّفتُ عن التعلّم، صرتُ كالشمعة التي تحترق ولا تضيء غير نفسها.
تذوب في وحدتها ولا تترك إلا رائحة الانتهاء.
أما إذا ظللتُ طالبًا إلى الأبد، فإن نوري يتجدّد كل لحظة.
ويصبح ضوءًا ينساب في عروق الأجيال كالدم الذي يحمل الحياة إلى كل خلية.
لقد أدركتُ أن المعرفة كالغيمة لا تستقر، وأن الذي يتشبّث برأيه يتحجّر.
ولهذا صرتُ أرى في خطئي أمام طلابي فضيلةً، لأني أعلّمهم أن الحقيقة تُصطاد ولا تُورث.
وأن التواضع للعلم أرفع من ثوب الكمال المزيّف.
كم من مرة قلت لهم: “لا تتّبعوني لأني أعرف، بل لنسعَ معًا لأننا نجهل”.
فكانت تلك اللحظة هي لحظة التحرر الحقيقي من سجن الألقاب.
أدركتُ أيضًا أن الاعتراف بالجهل ليس ضعفًا، بل هو شجاعة المحارب الذي يخلع درعه ليقاتل بسلاح الحقيقة.
قد يبدو الاعتراف مسرحيةً مُنسّقة أحيانًا، لكن جوهره يجب أن يكون عاريًا من الزيف.
نحن لا نعترف لنُشفق على أنفسنا، بل نعترف لنكسر الجدار الفاصل بين العقل والعقل.
أسير في هذه الرحلة الخالدة، أقرأ، أسمع، أتأمّل، أخطئ ثم أصحّح، أتعثّر ثم أنهض.
لا أستثقل غبار السائرين، لأني أعلم أنه علامة الحياة لا الجمود.
أكون أستاذًا لأنني طالب علم أولًا، وأنا طالب لأنني أرفض أن أكون قبرًا للمعرفة أو صدى لما قيل قبل زمن مضى.
إن الوعي الذي أنشره ليس مجرد كلمات تُقال في قاعات المحاضرات.
بل هو دعوة لكل من يحمل لقب الأستاذ أن يفتح نوافذ روحه للرياح الجديدة.
فلا يخاف من أن يغيّر ما كان يظنه ثابتًا، ولا يستحي من أن يسأل ما يجهله أمام من يعلّمهم.
فالعلم لا يُعطى للمتكبّر، بل يُسبى على يد المتواضع.
أختم اعترافي هذا بقلب ممتلئ بالأمل والتواضع، كمن يغرس بذرة في أرض لا يملكها، لكنه يعلم أن الظل سيكون للجميع.
ليبقَ كل أستاذٍ بيننا نهرًا جاريًا، لا بركةً راكدة.
لأن الذي يتوقف عن التعلّم يتوقف عن الحياة نفسها.
ويصبح مجرد اسمٍ على لوحة، لا نبعًا يروي الأرض.
أختار أن أبقى أستاذًا حيًّا، وطالبًا أبديًّا، أسير مع الزمن خطوةً بخطوة.
لا أسبقُه فأتعثر في وهم الكمال، ولا أتخلّف عنه فأندثر في غبار الماضين.
حتى يصبح التعليم والتعلّم وجهين لمرآة واحدة تُسمّى الحياة.
فليكن هذا الوعي شعلةً في كل قلبٍ يدّعي أنه معلّم أو أستاذ.
وأول هذه القلوب قلبي، قبل أن أنطق به بين الناس.
بقلم:
د. محمد شعوفي
23 مارس 2026

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ