
هندسةُ الحضور:
مرافعةٌ في زمنِ الوعي.
لم أكتب هذه الكلمات لأدوّن خاطرًا عابرًا، بل لأضع قلبي شاهدًا على ما تعلّمته من صمتٍ طال حتى صار أبلغ من كلّ صراخ.
أقف اليوم لا كخطيبٍ يقدّم درسًا نظريًا، بل كإنسانٍ اكتشف أن الزمن ليس ساعاتٍ تدور في معصمه، بل نبضٌ خفيّ يسري في أعماقه.
كنتُ يومًا أُهدر اللحظات كما تُهدر حبات الرمل من يدٍ غافلة، مؤجّلًا الحلم، ومؤخّرًا الكلمة الطيّبة، تاركًا الفرص تمرّ بي كأنها لا تخصّني.
كنتُ أظنّ أن الزمن صديقٌ صبور، ينتظرني مهما تأخّرت، حتى استيقظت ذات ليلة على دقّاتٍ داخليّة لا تُسمع بالأذن بل تُدرك بالبصيرة.
تلك الدقّات كانت تُذكّرني بأن كلّ نبضةٍ هي جزءٌ يُقتطع من كينونتي، ولن يعود أبدًا.
ومنذ تلك اللحظة، تغيّرت رؤيتي للعالم جذريًا، فلم تعد اللحظة زمنًا عابرًا، بل صارت جوهرةً موضوعة في كفّ الإرادة.
إمّا أن أحتضنها فتصير معنى، أو أتركها فتسقط في هاوية العدم.
تعلّمت أن من يعرف قيمة الوجود، لا يبدّده في ندمٍ على ما مضى، ولا يستهلكه في قلقٍ عمّا سيأتي، بل يعيشه حاضرًا كاملًا كأنّه التجلّي الأخير لوعيه.
في هذا الحضور، يقرأ الإنسان وكأن الكلمات رسائل إنسانية مخصوصة له وحده.
ينصت لأمّه وكأن صوتها هو الجسر الوحيد الباقي مع الحنان المطلق.
يبتسم للغريب وكأن ابتسامته هي الرهان الأخير لإنقاذ روحٍ من عزلتها.
ذلك هو الوعي الذي أبحث عنه؛ أن نحيا اللحظة لا كعادة ميكانيكية، بل كاختيار واعٍ ومسؤول.
كم من لحظة عشتها جسدًا بلا حضور؟
كم من شروقٍ مرّ بي ولم ألمسه إلا بعيني، دون أن ينفذ إلى جوهري؟
هنا أدركت أن الوعي باللحظة ليس نظرية تُفهم، بل ملحمة تُعاش على حافة اللانهاية، حيث لا أملك إلا هذا الحيز من التنفس، ولا أضمن سواه.
حينها أمسكت ساعة جدّي القديمة، لا لأحصي الثواني، بل لأفهم منطق الصيرورة.
تأمّلت عقاربها التي لا تلتفت للوراء، وشعرت أن العمر يمضي بنفس الصرامة الوجودية، لا يعتذر، ولا يمنح فرصاً مجانية.
فوقفت مع نفسي وقفة محاسبٍ رحيم، وقلت: ما مضى كان مختبراً للتجارب، وما بقي هو نصّك الأخير.
فاكتبه بما يليق بكرامة الإنسان الباحث عن الحقيقة.
ثم أدركت أن الزمن ليس ملكًا فرديًا نستهلكه في عزلة، بل هو نسيجٌ أخلاقي يربطنا بالآخرين، ويُشكّل ذاكرة أمة بأكملها.
كل لحظة نعيشها بصدق لا تُسجَّل في أعمارنا الشخصية فقط، بل تُضاف إلى التراث الإنساني الأكبر، الذي يُورَّث كقيم ومبادئ.
وحين نُكرم اللحظة، فإننا لا نُحسن لذواتنا فحسب، بل نترك أثرًا لمن سيأتون بعدنا.
سيبحثون في نصوصنا عن بصيص صدق، أو أثر حياةٍ رفضت أن تكون مجرد رقم عابر.
إن الزمن حين يُعاش بوعي حاد، يتحوّل إلى ميراثٍ فكري، يربط الفرد بالجماعة، والحاضر بمستقبلٍ نأمل أن يكون أكثر وعياً.
ويجعل من كل موقف صادق لبنةً في بناء حضاري لا ينهار أمام عواصف النسيان.
لهذا أكتب الآن، وقلبي معلّق بين التجربة والامتنان، لا لأقدّم نصًا أدبياً صرفاً، بل لأطلق نداءً نابعاً من تجربة إنسانية حية.
لا أطلب منك أن تغيّر قوانين الطبيعة، بل أن تغيّر زاويتك في النظر إلى هذه اللحظة التي تسكنها الآن.
أمسك بها.
لا كزمنٍ يهرب، بل كفرصةٍ فريدة للتحقق.
عِشها بكل ما أوتيت من شغف، وصدق، وامتلاء.
فالزمن لا ينتظر المتفرجين، لكنه يفتح أبواب الخلود لمن يعرف قيمته الجوهرية.
بعد كل ما اختبرت، أُدرك الآن يقيناً: أن كل لحظةٍ ثمينة، لا لأنها تمرّ، بل لأنها غير قابلة للاستعادة.
فليكن وعيك هو نقطة الانطلاق لحياةٍ تُعاش بصدق إنساني عميق.
حياة لا تُحصى بعدد السنين، بل تُحفظ في سجلّ المعنى الخالد.
بقلم:
د. محمد شعوفي
25 مارس 2026
أضف تعليق