
الـوعـي والإشـــارات (1).
يـأتي الإنسـان إلـي الحيـاة وحـيدا، ويـرحل عنهــا وحــيدا، ومـا بيـن القـدوم والرحيــل لحظـات مـن صـخب الحيـاة وضـوضاء النـاس، وقـد يتخــلل هـذه اللحظــات أطـوار مـن الـوحـدة. الأفكــار المتنـاقضة تشـعر الإنسـان بأنـه ضــائع، يبحــث عـن شـئ لا اسـم لـه، وعـن معـني عمـيق قـد يقــود إلـي حقيقـة النفـس.
الرحـلة الداخليـة هـي الرحـلة الحقيقــة، التـي تحمـل الإشــارات الدقيقـــة، التـي تفتــح بـاب أسـرار النفـس وأسـرار الكـون، ومعـني الحيـاة التـي يغفــل عنهـا الإنســان وسـط ما اعتــاد عليـه يوميـــا.
الدليــل هـو مـا يـأخـذ بيـد الإنسـان للعبــور إلـي الـوعـي، بـدلا مـن التخبــط فـي الغفـلة والســبات (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. سـورة الحشـر 19 – الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. سـورة التـوبة 67). وهـذا الدليــل هـو مـن يقــود الإنســان إلـي نفســه وفطــرته الســليمة وإلـي الله ســبحانه وتعــالي.
الحيــاة كهــف فيـه النــور وفيــه الظــلام (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا. سـورة الكهـف 10)، الحيــاة مرحـلة وطـور مـن أطـوار الإنســان (الـذر – جنــين – حيـــاة – بـرزخ – خـلود أمـا فـي الجنــة أو فـي النــور).
المعـرفة ليســت بجمـع المعـلومات أو حفــظ الأفكــار، بـل هـي لغــة تخاطــب بيـن العقـــل والقلــب والتجـربة الإنسـانية، للوصـول إلـي الصــفاء والارتقـاء الفكــري، والألـم والخـذلان جـزء بـل بـدايـة الرحـلة المعـرفيـة.
عـندما تتشــارك النفـس مـع الجـوارح فـي نفـس الألـم ونفـس الحـيرة، لفتــح أبـواب التســاؤل، وقـد تكـون المشـاركة هـي مفـاتيح التـأمل والتـدبر، للمعـاني والمفاهـيم والمضـامين. الحقيقــة ليســت منحــة لمـن كـان ســطحيا، فالســطحي يمـر بالإشــارات والحقيقـة دون رؤيــة. الســطحي العـابر لا يلتفــت إلـي الإشــارات، لكـن البـاحث عـن المعــني لا يتخـبط فـي الإجـابـات الســطحية، بـل يبحــث عـن الغـوص فـي الـداخـل والأعمــاق.
الإنسـان يضـعف ويتـردد ويشــعر بالضـياع وقـد يقــع فـي الخطــأ، لكنـه فـي كـل مـرة يحـاول أن يفهــم، وأن يعــود، وأن يقــترب أكـثر مـن الله سـبحانه وتعـالي. الـواعي والعـاقـل هـو الأكـثر صـدقا فـي الاعــتراف، والأكـثر شــجاعة فـي المواجهــة، وهـو مـن يـدرك أن القيمـــة ليسـت فـي الكـثرة، بـل فـي العمــق. الـواعـي والعـاقـل هـو مـن يكتـشـف نفســه، بقـدر مـا هـو مســتعد للفهـم، وهـو مـن يـري نفسـه بوضـوح دون ضـبابية، وهـو مـن لا يـزين الـواقـع، بـل يكتشـفه كمـا هـو، بكـل ما فيـه مـن غمـوض وتنـاقض وألـم، وهـو مـن يعيـش التجـربة بكـل تفاصــيلها.
الـواعي والعـاقـل قـد يشــعر أنـه غريــب عـن العـالـم، ليـس غريبــا بمعـني المكــان، بـل بعــيدا بالشــعور، مـوجـود مـع النـاس بجســده، لكنـه بعـيد عنهـم بنفســه، فيـري مـا لا يـرونه، ويشــعر بمـا لا يشــعرون، وهـذا النـوع مـن الاغــتراب ليـس غفــلة كمـا يتـوهم البعـض، بـل هـو بـدايـة ليقظــة الـوعـي. فعــند ملاحظــة التنـاقض فـي المحيــط، وعـدم الانسـجام مـع الســطحية الســائدة، فهـذه أول الخطـوات نحـو الفهـم، وهـذا يقــود إلـي الحـوار الداخـلي مـع النفـس، وفهـم الإنسـان لنفســه وللحيــاة.
الطـريق إلـي الحقيقــة لا يبـدأ بالإجـابات، بـل بالأســئلة الصـادقة مـن خـلال المناقشـات الداخليــة، الصـدق مـع النفـس ونبــذ التـبرير والأعــذار، هـو بـدايـة المواجهــة الحقيقـية، فالـواعي المـدرك لا يـدعـي الكمـال ولا يزييــف المشــاعر، ويـوقن أن الصـدق هـو الـذي يفتــح بـاب التغــيير. أول خطـوة نحـو الإصــلاح هـي الاعـتراف، والابتعــاد عـن أتبـاع العـادات والتقاليـد الســائدة، وعـدم الانشـغال بالمظهــر الجـوهـر. ومـن هنـا يـزداد ألـم الاغــتراب فـي الحـزن عـلي النـاس الـذين ضــلوا الطـريق، ولفقـدان النـاس المسـار الصـحيح وأتبـاعهم المسـار الخـاطئ.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خــالــد عــبد الصـــــمد.
أضف تعليق