ه

بين ما نظنّه نحن… وما نصير إليه
بقلمي هدى عبده

نعيش أغلب أعمارنا ونحن نعتقد أننا كيان ثابت، تعريف واضح، وحدود مرسومة لا تتغير. نقول: “أنا هكذا”، وكأننا نوقّع على حكمٍ أبدي لا يقبل المراجعة. لكن الحقيقة الأكثر إرباكًا… أن “الأنا” ليست سوى لحظة مؤقتة في تيارٍ لا يتوقف.
نحن لا نمتلك أنفسنا كما نظن، بل نعبرها.
كل فكرةٍ آمنّا بها يومًا، كانت في حينها يقينًا لا يتزعزع، ثم جاء يومٌ آخر، فبدت لنا مجرد احتمالٍ ساذج أو مرحلةٍ عابرة. وكل شعورٍ أقسمنا أنه لن يخبو، خفتَ دون أن نستأذنه، وكأن القلب لا يعترف بالعهود بقدر ما يعترف بالتجربة.
التغير ليس طارئًا علينا… بل هو جوهرنا الخفي.
نحن لا نتغير لأننا ضعفاء، بل لأننا أحياء. الثبات الكامل ليس قوة، بل شكلٌ آخر من أشكال التوقف. حتى الجبال، التي نظنها رمزًا للثبات، تتآكل بصمت، وتعيد تشكيل نفسها عبر الزمن، فكيف بنا نحن… ونحن أكثر هشاشة وأكثر وعياً؟
المفارقة العميقة أن الإنسان يخاف التغير، رغم أنه لا يملك خيارًا سواه. يقاومه، يتمسك بصور قديمة عن نفسه، بعلاقات لم تعد تشبهه، بمشاعر انتهت صلاحيتها… فقط لأنه يخشى الفراغ الذي يسبق التحول.
لكن هذا الفراغ… ليس نهاية.
إنه المساحة التي تُعاد فيها كتابة الذات.
في لحظات الانكسار، حين تتداعى القناعات، ويتشقق المعنى، نظن أننا فقدنا الطريق. لكن ما يحدث في الحقيقة، أننا فقدنا النسخة القديمة من أنفسنا. وما يبدو ضياعًا، قد يكون بداية رؤيةٍ أكثر صدقًا.
الألم، على قسوته، ليس عدوًا مطلقًا. إنه أداة كشف. يعرّي الزيف، ويجبرنا على مواجهة ما كنا نهرب منه. ومن خلاله، ندرك أن النضج لا يأتي من الراحة، بل من الأسئلة التي لا نجد لها إجابة بسهولة.
ومع كل تحوّل، نخسر شيئًا… نعم.
لكننا نكسب قدرةً أعمق على الفهم.
نصبح أقل يقينًا… وأكثر وعيًا.
أقل حكمًا… وأكثر رحمة.
أقل اندفاعًا… وأكثر اتزانًا.
وفي النهاية، نكتشف أن الحياة لا تطلب منا أن نكون ثابتين، بل أن نكون صادقين في تغيّرنا.
أن نودّع ما لم يعد يشبهنا دون مرارة،
وأن نستقبل ما نصير إليه دون خوف.
فلسفة الوجود ليست في أن نعرف من نحن مرةً واحدة،
بل في أن نجرؤ على إعادة اكتشاف ذلك… مرارًا.
د. هدى عبده 🖊

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ