الـوعـي والإشـــارات (3).
أمـراض النفـس الخفيــة التي تعيــق الإنســان عـن الوصــول إلـي الصـفاء عـديدة، وهـي أمـراض ليســت فـي الخـارج أو فـي الظــروف، بـل فـي طيــات النفـس وهـو مـن يتحـكم فـي ســلوك الإنســان دون أن يشــعر أو يـدرك. وقـد حـذر القـرآن الكـريم مـن الغــرور.
وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ. سـورة لقمـان.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ. سـورة فـاطـر 5.
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. سـورة الحـديد 20.
الغــرور شــعور خفــي يجعــل الإنسـان يـري نفســه أفضــل مما هـو عليــه، فيعمـي عـن رؤيـة عيــوبه، وبالتـالي يمنـع نفسـه مـن التطــور لظنــه أنـه كـامـل، ليـس فـي حـاجـة إلـي إصــلاح.
النفـس عـالـم معقــد ممـلؤ بالتناقضــات، تميــل إلـي الخــير وفـي لحظـة آخـري تنجـذب إلـي الشــر، تحـب الصـدق لكنهــا تميــل إلـي التـبرير، ترغــب فـي القـرب مـن الله سـبحانه وتعـالي لكنهــا تضــعف أمـام الشــهوات. وهـذه الازدواجيــة تجعـل الأنسـان يعيـش حالـة مـن الصـراع الداخـلي الدائـم، يتقلــب بحســب حـالتـه ووعيــه وقـوة أراتـه.
ومـن أمـراض النفـس أيضــا الـرياء، وقـد حـذر القـرآن الكـريم مـن الريــاء.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ. سـورة البقـرة 264.
وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا. سـورة النسـاء 38.
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا. سـورة النسـاء.
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ. سـورة الأنفـال.
الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ. سـورة المـاعـون.
الـريـاء هـو قيــام الإنســان بأعمـال ظـاهـرها الخــير، لكـن باطنهـــا طلـب نظــر النـاس وإعجـابهم، صـاحب هـذا المـرض يظـن أنه عـلي خــير، بينمـا فـي الحقيقــة بعـيدا عـن الصـدق والإخـلاص، فالأعمـال لا تقـاس بشـكلها الخـارجي فقـط بـل بنيتهــا الداخليــة، وإذا فسـدت النيــة فســد العمــل، وفقـد قيمتــه وثـوابه مهمــا بـدا جمــيلا.
أمـا مـرض الخــوف (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. سـوؤرة آل عمـران 173)، وهـو تعـلق الإنسـان بما لا يمـلك، ومـن اعتمـاده عـلي نفسـه وآخـرين، أكـثر مـن اعتمـاده عـلي الله سـبحانه وتعـالي (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا. سـورة الكهـف).
أمـا مـرض حـب الظهــور والتعـلق بـرأي النـاس، فيصـبح الإنسـان أســيرا لنظــرة الآخـرين إليـه، فيسـعي إلي إرضـائهم حـتي عـلي حسـاب نفسـه ومخالفــة المنهـج والتكلــيف (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. سـورة الأنعـام 32).
والعـاقل الـواعي يـدرك أن أول خطــوة فـي التخـلص مـن الأمـراض النفســية، هـو إدراك وجـوده وأن يـراه بوضـوح دون إنكـار أو تبــرير. فالإنسـان لا يسـتطيع تغــيير ما لا يعـترف لـه، مـواجهـة النفـس بصـدق هـو أول طـريق الإصــلاح، وكلمـا أزداد وعـي الإنسـان بنفسـه، اسـتطاع التمـييز بيـن مـا هـو حقيقــي، ومـا هـو زائــف ومضــلل مـن خـلال التحليـل العميــق، ورؤيــة العيــوب بلا خــوف يصــحبها قـرار رحـلة الإصــلاح مهمـا كانــت طويلـة وصـعبة. ومـع هـذه الرحـلة تكـون الحـرية الحقيقيــة والسـكينة التـي يبحـث عنهــا فـي أعمـاقه. مـع التحــرر مـن أمـراض النفـس، تتحـرر النفـس وتنتقــل إلـي ما يسـميه البعـض بالـزهـد، وليـس المقصـود بالـزهـد المعـني الســطحي، فـي تـرك الدنيــا والابتعــاد عـن النـاس ورفـض متــع الحيــاة. بـل الزهـد كحـالة عميقــة تجعــل الإنسـان يعيـش فـي الدنيــا، دون أن تكــون مســيطرة عليـه. فالشـئ عـندما يتحــول مـن وســيلة إلـي غـاية يبـدأ فـي الســيطرة عـلي صــاحبه دون إدراك (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. سـورة آل عمـران 14 – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ســورة التغـابن). العـاقـل والـواعي لا يـربط نفسـه بأشـياء قـابـلة للــزوال، وهنـا يتضـح المعـني الحقيقـي للـزهـد بالحمـد عـلي النعـم وعـدم رفـض الحيـاة بـل الاحـتراس مـن زينتهــــا. المعيشــة بـوعـي يقــظ وتقبــل الفقـد دون انهيــار، القلــب الممتـلئ بالتعـلق لا يـري بوضـوح، فهـو مشـغول بالخـوف والرغبــة والمقـارنة، أمـا القلــب المتجــرد ممـلؤ بالهــدوء والقـدرة عـلي الفهـم والصـفاء. الـزهـد لا يعـني العـزلة والتقشــف الشـديد، بـل حســن الاختيــار والتمـييز بيـن ما يسـتحق وما لا يســتحق. وعـند تحــرر الإنسـان مـن التعــلق، يصـبح قـادرا عـلي أن يعيـش بصــدق، وأن يختــار مـا يـريد دون أن يكـون خاضـعا للزينــة والتـرف ســواء داخليــا أو خارجيـــا.
الله ســبحانه وتعـالي هـو المعطـي والـوهـاب وهـو القـادر فـوق عبـاده.
مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. ســورة فـاطـر 2.
وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. سـورة يونـس 107.
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ. سـورة هـود 6.
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. سـورة الشـرح.
وختــاما يجـب عـلي كـل واعـي وعـاقـل أن يتــدبر الآيـات التاليـة، حـتي لا يقــع فريسـة فـي شــرك المنـافقين والمدلســين ومـن لا ديـن بهـم.
وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ. سـورة محمـد 30.
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. سـورة الأعـراف 180.
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ. سـورة النحـل 103.
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. سـورة فصـلت 40.
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ. سـورة البقــرة.
فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ. سـورة البقـرة 79.
خـالـد عـبد الصـمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ