حين لا تنتهي العلاقات… بل تستمر في استهلاكنا
بقلمي هدى عبده

ليست كل النهايات حدثًا يُرى،
بعضها يحدث ببطءٍ شديد… حتى يختفي أثره.
هناك نوع من العلاقات لا يُصنَّف ضمن الفقد، ولا يُحتسب ضمن البقاء.
حالة بينية، لا تحمل وضوح القطيعة ولا طمأنينة الاستمرار، بل تُبقي الإنسان معلقًا في مساحةٍ رمادية، كأن الزمن نفسه فقد قراره فيها.
في الفلسفة، يُقال إن الكائن لا يفنى فجأة، بل يتحول.
لكن ماذا لو كان هذا التحول لا يقود إلى شكلٍ جديد… بل إلى تآكلٍ مستمر؟
ماذا لو لم تكن العلاقة تُبنى ولا تُهدم، بل تُستنزف؟
في هذا النوع من الروابط، لا يكون الطرف الآخر غائبًا تمامًا،
بل حاضرًا بما يكفي ليمنع الغياب الكامل،
وغائبًا بما يكفي ليمنع الاكتمال.
وهنا تتشكل المفارقة:
الإنسان لا يعيش الألم الحاد الذي يدفعه للانسحاب،
ولا يعيش الراحة التي تُثبته،
بل يبقى في منطقةٍ تتآكل فيها طاقته دون أن يملك حافزًا حاسمًا للمغادرة.
إنها علاقة لا تقوم على المشاركة،
بل على “إدارة الحضور”.
الآخر لا يأتي ليكون،
بل يأتي ليُذكّر بأنه قادر على أن يكون.
لا يمنح ذاته،
بل يمنح إشارات كافية ليُبقي التوقع حيًا.
وهنا يتحول الارتباط من تجربة إنسانية إلى بنية نفسية قائمة على “الاحتمال”،
والاحتمال، كما في كل شيء، أكثر استنزافًا من الحقيقة،
لأنه لا يُغلق بابًا ولا يفتح آخر.
الإنسان بطبيعته يبحث عن المعنى،
لكن في هذه العلاقات، لا يُمنح معنى واضح،
بل يُترك ليصنعه بنفسه،
ليُفسر الإشارات، ويُبرر الغياب، ويُعيد تأويل الحضور.
ومع الوقت، لا يعود متعلقًا بالشخص،
بل بالفكرة التي بناها عنه.
وهنا يكمن الخطر الفلسفي العميق:
حين لا نحب الآخر كما هو،
بل كما نحتاج أن يكون.
في هذا السياق، لا يكون الاستنزاف نتيجة قسوة ظاهرة،
بل نتيجة غياب الاتساق.
فالعقل لا يجد ما يرفضه بوضوح،
والقلب لا يجد ما يطمئن إليه تمامًا،
فتنشأ فجوة بين الإدراك والشعور،
تُستهلك فيها الطاقة النفسية بصمت.
الأمر لا يتعلق بضعف من يبقى،
بل بقدرة هذا النمط من العلاقات على تعطيل الحسم.
فالإنسان يستطيع مقاومة الألم،
لكنه ينهار أمام الغموض الطويل.
ومع التكرار، يتغير شيء جوهري:
لا يعود السؤال “هل هذه علاقة صحيحة؟”
بل يتحول إلى “هل أستطيع الاستمرار هكذا؟”
وهذا التحول بحد ذاته خسارة،
لأنه ينقل الإنسان من البحث عن الحقيقة،
إلى التفاوض مع الاستنزاف.
النجاة هنا لا تأتي من تصحيح العلاقة،
لأن المشكلة ليست في شكلها،
بل في طبيعتها.
إنها علاقة لا تُغذّي،
بل تعتمد على ما تُنتجه أنت من طاقة.
ولذلك، فإن الخروج منها ليس قرارًا عاطفيًا،
بل موقف وجودي:
أن تختار نفسك كحقيقة،
بدل أن تبقى احتمالًا داخل حياةٍ لا تكتمل.
في النهاية،
ليست كل العلاقات التي لا تنتهي… تستحق أن تستمر.
بعضها خُلق ليُختبر وعيك،
لا ليكون بيتك.
د. هدى عبده 🖊

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ