

المــاء وبنيـــة الحيــاة (1).
قـال الله تبـارك وتعـالي (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. ســورة ص 29)، القـرآن الكـريـم يحتـوي عـلي التوســع فـي المعنـي، وعـلي ســبيل المثـال يـؤتـي بتعــبير يحتمـل أكـثر مـن معــني، وهـذه المعـاني كلهـا مـراده فـي كتـاب الله. مفهـوم التوســع لـه أســباب ودواعـي لكـي يتـدبر الجميـع، وفـق علـومه المتـاحة بمـا لا يتعـارض مـع المنهـج والتكلــيف (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ. سـورة القمـر 22).
قـال الله سـبحانه وتعـالي عـن المـاء (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ. سـورة الأنبيـاء 30)، مـن تـدبر وتـأمـل المعـني الشـمولي وليـس اللفظـي المحـدود للآيـة الكريمـة، نجـد أن المـاء مرتبـط ارتبــاط كلـي وجـزئي ببـداية التكـوين والخـلق للسـماوات والأرض، فالمعـايير والفطـرة للمـاء أوجـدها الله سـبحانه وتعـالي وفـق مـراده، لمـا يناســب الأرض ومـا عليهـــا مـن مخـلوقات
الدراســة العلميــة للمـاء وخصـائصـه كلهــا ظـاهرية، تتعـامل مـع المـاء كمكـون مـن الهيـدروجين والأكسـجين، دون النظــر فـي الخلفيــة، ومحـاولة إدراك ارتبــاط المـاء بكـافة المخــلوقات، وقـال الله ســبحانه وتعـالي فــي ذلــك.
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ. ســورة الـروم.
المـاء منــذ البـداية خــلق بقــدر، ســواء فـي النوعيـــة أو الكيفيـــة، فللغــلاف الجــوي كميـة معــلومة قـدرها الله سـبحانه وتعـالي، وبـاطن الأرض يحتفــظ بقــدر معـلوم وفـق قـدر الله ســبحانه وتعــالي، ويتضــح ذلـك مـأن تـدبر وتـأمـل قـول الله ســبحانه وتعـالي (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. ســورة هـود 44). الأرض أبتلعــت المـاء الـذي خـرج منهـــا، والسـماء أقلعــت عـن المطــر، وغـيض المـاء هـي تحـول المـاء الخـاص بالأمطــار مـن صــورة إلـي آخــري، وهـي التبخــر ليصــعد مجــددا إلـي الســماء، لتكـوين الســـحب وفـق أمـر الله ســبحانه وتعــالي. فســبحان الله العـلي العظــيم الـذي قـدر كـل شــئ تقــديرا.
خـلق السـماوات والأرض وعـرش الله ســبحانه وتعــالي، ارتبــط بالمـاء فـي المـراحـل الأولـي للخــلق، وهنــا ســؤال يطـرح نفســه هـل المـاء الأول كـان مـاء منـزوع الأمـلاح (مـاء مقطــر)، ثـم بذوبـان أمـلاح الأرض تكـون المـاء العـذب الصـالح للشــرب، أم المـاء الأول كـان مـاء مـالـح ومـع الـدورة المنـاخية تكـون المـاء العـذب الصـالح للشــرب (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ. سـورة الـرعـد 17). مـن واقـع تـدبري المـاء خـلق جــزء عــذب صـالح للحيــاة الحــيوية، وجـزء آخــر مـالـح للحيــاة البحــرية، الأرض احتفظــت بنصــيبها مـن المـاء العــذب، والمـالح للحفــاظ عـلي الحيــاة البحــرية والـدورة المناخيـــة وللحفـاظ عـلي الميــاة البحـرية دون تلـــف، والأمـواج البـاطني فـي البحـار والمحيــطات يحـافظ عـلي تقليــب الميــاة، لتتجــدد تلقــائيا، فتبــارك الله أحسـن الخالقيــن.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خــالــد عــبد الصـــــمد.
أضف تعليق