حين يصمت القلب… يتكلم الفراغ
بقلمي هدى عبده

ليس الإنسان مجرد عقلٍ يوازن الأشياء ببرود،
بل هو كائنٌ من نبضٍ خفيّ،
تتقد فيه المشاعر كما تتقد النار في مواقد الروح.
نحن لا نعيش بالكلمات وحدها،
بل بما يتسرّب خلفها من دفء،
بما يلامس أرواحنا دون أن يُقال.
في داخل كل إنسان حديقة،
إن سُقيت بالعناية ازدهرت،
وإن أُهملت تحوّلت إلى أرضٍ يابسة
تتشقق فيها المعاني،
وتذبل فيها الرغبة في الحياة.
حين يتراجع الحنان،
ويبهت الاهتمام،
لا يختفي الإنسان فجأة…
بل يتآكل بصمت،
كجدارٍ ينخره الغياب دون أن يُسمع له صوت.
في البيوت التي يسكنها الصمت البارد،
لا تكون المشكلة في قلة الكلام،
بل في غياب الإحساس خلفه.
قد يجلس اثنان متجاوران،
لكن بينهما مسافاتٌ من فراغ
لا تُقاس بالأمتار… بل بالوجع.
المرأة حين لا تُرى بعين التقدير،
تذبل كزهرةٍ حُجبت عنها الشمس،
والرجل حين يُحاصر بروتينٍ خالٍ من الروح،
يفقد دهشة الشعور الأولى،
ويتحوّل إلى كائنٍ يؤدي… ولا يعيش.
أما الأطفال،
فهم أكثرنا صدقًا في التعبير عن هذا النقص؛
يبكون، يصرخون، أو يتمردون،
ليس لأنهم سيئون…
بل لأنهم جائعون إلى الحب،
والحب لديهم ليس ترفًا،
بل ضرورة كالتنفس.
والمراهق حين لا يجد صدرًا يحتويه،
يبحث عن بدائل قد تكون وهمًا،
لأن الفراغ لا يحتمل البقاء فارغًا،
بل يملأ نفسه بأي شيء…
حتى لو كان مؤذيًا.
إن أخطر ما قد نصل إليه،
ليس الانفصال الظاهر،
بل ذلك الانفصال الخفي
حين نعيش معًا… دون أن نشعر ببعضنا.
وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية،
لا للأسرة وحدها،
بل لروح المجتمع كله،
لأن البيوت الباردة
لا تُنجب إلا قلوبًا مرتبكة.
لكن،
رغم هذا كله،
يبقى في الإنسان قدرة عجيبة على العودة…
أن يرمم ما تصدّع،
أن يعيد للروح دفأها،
بكلمة صادقة،
بنظرة اهتمام،
باعترافٍ بسيط:
“أنا أراك… وأهتم بك.”
فالعلاقات لا تحتاج معجزات،
بل تحتاج حضورًا حقيقيًا،
وإحساسًا لا يتصنّع.
وفي النهاية،
ليس أجمل ما نمنحه لمن نحب
هو الكلام الكثير،
بل ذلك الشعور العميق
الذي يجعلهم مطمئنين…
أنهم ليسوا وحدهم في هذا العالم.
د. هدى عبده ✒️

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ