
لك أنت… الذي لا يقرأ، ولا يرى ما كتبه الآخرون،
يمرّ مرور الكرام، كظلٍ فاقد للوعي، يتبع بريقًا خارجيًا، مغرٍ وسريع الزوال.
كل كلمة، كل فكرة، كل شعور صاغه قلم مخلص،
يتساقط أمام عينيك بلا وزن، بلا صدى، بلا بصمة…
تظن أنك حرّ في اختيارك،
لكن داخلك عاصفةٌ صامتة…
شعور بالفراغ يتسرب إلى روحك،
وارتباك داخلي ينهش وعيك…
الأفكار التي تتجنبها تصرخ فيك،
والصفحات التي تتجاهلها تكاد تحرق عقلك من كبت المعرفة،
كأنك تطفو على سطح الحياة بلا عمق، بلا معنى، بلا امتداد.
لقد أخذتُ ساعات الطوال،
ساعات الليل والنهار،
أحرفي تنبض بألمي، وتتنفس آمالي،
لتصل إليك أمام شخصكم الكريم…
فكان العناق يلوّي على الهاوية،
والصفحة تبقى خاوية، بلا لمسة، بلا تقدير، بلا اعتراف.
أنت تعيش صراعًا داخليًا بلا وعي،
تتوتر، تبحث عن مغريات سريعة،
لكن القلب يئنّ، والوعي يتألم، والروح تبحث عن ما يملأ الفراغ…
كل إهمالك للمعنى يترك صدى خفيًا ينهشك،
كأنك تعرف، في قرارة نفسك، أن هذا الامتناع عن القراءة
هو سجن للذات، وحبس للفكر، ونقصٌ لا يُعوّض.
هكذا تمرّ الحياة أمام من لا يرى سوى السطح،
كأن كل عمق، كل روح، كل شعور ليس إلا خيالًا بلا قيمة…
والإبداع الذي يُترك دون تقدير يصرخ في فراغك،
ويذكّرك بأن ما فقدته أعظم من كل ما ظننت أنك وجدته.
لك أنت… لا يهمك ما وراء الصور،
ولا تهتم بما يتركه الآخرون على الورق من بصمات الروح…
لكن اعلم أن الامتناع عن القراءة، عن التأمل، عن الانتباه،
يترك قلبك قاسيًا، ووعيك متشنجًا، وروحك تتخبط في دوامةٍ بلا مخرج…
وفي النهاية…
تبقى الكتابة هي العزاء، والصفحة البيضاء هي الشاهد،
وكل من يمرّ بلا قراءة، يعيش صراعًا داخليًا صامتًا،
تسكنه الندامة على الفرص الضائعة، والتوتر النفسي لفقدان ما يمكن أن يثريه،
ويبقى الغياب بصمة لا تُمحى على روح كل من كتب، وأخلص، وأحسّ.
تمرّ الأيام، وتمرّ صفحات الفايسبوك أمام عينيك كما تمرّ السحب في السماء، تمرّ مرّ الكرام على منشورات قصيرة وصور مغرية، دون أن تتوقف، دون أن تعطي نفسك فرصة للتمعن. نمرّ، نمرّ… ونترك الكلمات تذوب في الهواء، كأنها لم تكن موجودة.
لكن هناك عالم آخر، خلف كل كتاب، كل نص، كل سطر: عالم يستحق أن تتوقف فيه عينك وقلبك وعقلك. القراءة ليست مجرد حروف، بل هي رحلة إلى أعماق الفكر والروح، تجربة لا تمنحها لك الصور والرموز السريعة. كل صفحة تقرأها هي نافذة على حياة لم تعشها بعد، على أفكار لم تفكر بها، على مشاعر لم تختبرها.
إذا توقفت عن المرور السريع على ما يُعرض أمامك، وفتحت الكتاب، ستكتشف أن القراءة تمنحك قوة التمييز، عمق الفهم، وروحًا لا تذوب مع سرعة الإعجاب والتصفح. فالتمهل في النصوص، والانغماس في الكلمات، هو السبيل ليصبح قلبك وعقلك حيًا، لا مجرد متلقي عابر يمرّ على الصور ويغلق الصفحة.
الكتب تنتظر قلبك الجريء، لتأخذك في رحلة أعمق وأجمل مما قد تمنحه أي شاشة مضيئة. فلتتوقف عن المرور الكرّام، ولتغوص في القراءة كما يغوص الغواص في أعماق البحر، بحثًا عن لؤلؤة لا تُرى إلا لمن يجتهد في البحث.
د.مقبول عزالدين
أضف تعليق