

الـوعـي والعــلم والكـم (2).
قـال الله سـبحانه وتعـالي فـي كتـابه الكـريم (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ. ســورة الأعـراف 172). ففـي أخـذ الميثــاق، أخـرج الله سـبحانه وتعـالي جميـع ذريـة جنـس آدم مـن ظهـورهم، عـلي شــكل ذر “مخلـوقات متنـاهية الصــغر”، وأخـذ عليهـم العهــد، فشــهدوا جميعـا عـلي أنفســهم بعبـودية الله وربوبيتـه وحـده لا شــريك لـه.
الفطـرة السـليمة مســنونة فـي هـذه المخـلوقات المتنـاهية فـي الصــغر، وبالـوعي اليقـــظ “الأمـانة” يتغلــب الإنسـان بعـد تمـام تكوينــه عـلي الغفــلة والجهــل، ولـذا قـال الله سـبحانه وتعـالي فـي ســورة الحجــر (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ). والمسـنون هنـا مـع التـدبر هـو وضـع الفطــرة والســنن فـي المكـون الأصـلي للإنســان، لكـي يســتقيم الجسـم بمكـوناته فـي التســيير، ويســتقيم الـوعـي فـي التخــيير (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا. ســورة الأحـزاب).
مـن أبـرز مفـاهـيم ميكـانيكـا الكـم بشـكل مبسـط ومختصـــر:
مبـدأ عـدم اليقــين (الريبـة) لفيــرنر هايزنـبرغ، وهـو لا يمكــن قيـاس موضــع وســرعة جســيم (الإلكـترون عـلي سـبيل المثـال) بـدقة مطلقــة فـي نفـس الوقــت.
مبــدأ الازدواجيــة فـي ميكـانيكـا الكـم (أو ازدواجيــة الموجـة والجســيم)، وهـي فكــرة أسـاسـية تقــول إن الجســيمات الصــغيرة “مثـل الإلكتــرون والضــوء”، يمكــن أن تتصــرف كموجـة وكجســيم فـي الوقــت نفســه، والفكـرة باختصـار شــديد أن الجسـيم يتصــرف كنقطــة مـادية، وكذلـك كمـوجة تتـداخـل وتنتشـــر، والمثــل الشــهير لذلـك، تجــربة الشــقين (Double-slit)، تظهــر أن الإلكتــرونات أو الضــوء تكــون نمـط تـداخـل وهـي حاصـية موجيــة، لكـن عـند القـياس تظهــر كجسـيمات منفصــلة، وقـد أقـترح لويـس فيكتــور بييـر ريمـون دي بـرولي أن للجســيمات خـواص موجيــة، كمـا ســاهم ألبـرت أينشــتاين فـي تفســير الضـوء كجســيمات (فـوتـونـات).
الحـالـة الكمـومية وهـي الوصـف الكـامل لحـالة الجســيم (الإلكـترون مثـلا)، وتشـمل كـل مـا يمكـن معـرفته عنـه (المـوقع – السـرعة – الطـاقة)، القـيم لـن تكـون محــددة، بـل احتمـالات لهـذه القيــم. ومـن هـنا تنشــأ نظـرية مبـدأ التراكـــب، وهـي تنـص عـلي أن الجسـيم قـد يكـون فـي عـدة حـالات فـي نفـس الوقـــت، إلـي أن يتـم قياســه. ومثـال بسـيط عـلي ذلـك يمكـن للإلكـترون أن يكـون فـي أكـثر مـن موضـع أو حـالـة طـاقة فـي آن واحــد (ليـس فـي حـالة واحـدة فقــط)، وعـند القيـاس تنهــار هـذه الحـالات المتعــددة إلـي حـالـة واحـدة للقيـاس، والمثــال الشــهير للتوضــيح قطـة شــرودنغـر (حيـة وميتـة فـي نفـس الوقــت حـتي يتـم فتــح الصــندوق)، وهـذا هـو السـماح بـوجـود تراكـب مـن الاحتمـالات حـتي لحظـة الرصــد. وهـذا يـدفع إلـي مـزيد مـن التـدبر فـي الحديــث النبــوي (بادِروا بالأعمالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسي كافِرًا، أو يُمسي مُؤمِنًا ويُصبِحُ كافِرًا، يَبيعُ دينَه بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا.
الـراوي: أبو هـريـرة والمحـدث: مسـلم والمصـدر: صـحيح مسـلم وخلاصـة حكـم المحــدث: صحيح).
التشــابك الكمــي، وهـو ظـاهـرة أسـاسـية فـي ميكـانيكـا الكـم، تجعــل جســيمين أو أكـثر مرتبطـين، بحيـث تصـبح حالتهـم مرتبـطة تمـاما مهمـا كانــت المســافات بينهــم. والفكـرة باختصــار فـي حـالـة وجـود جسـيمان متشـابكان، فـإن قيـاس حـالـة أحدهمــا، ســتكون هـي حـالـة الآخــر فــوريا، مهمـا كانــت المسـافات الفاصــلة بينهمــا. وقـد وصــفها ألبـرت أينشــتاين بأنهــا التأثيــر الشـبحي عـن بعــد، وقـد صــاغ أرويـن شــرودنغـر مفهـوم التشـابك بعمـق ووضـوح. الجسـيمات فـي العـالـم الكمــومي، لا تعــد كيـانات مســتقلة، بـل تكـون نظـاما واحـد مترابطــا، حـتي لو فصــلت بينـها مسـافة شـاسـعة. باختصــار، ميكـانيكـا الكـم تمــدنا بالإطــار النظــري لفهـم الظـواهر الدقيقــة (الأكـوان والأقطـار الآخـري التـي تقـع خـارج الأبعـاد البشـرية المرئيــة أو الملموسـة بشــريا)، والـتي لا تسـتطيع الفيـزياء الكلاســيكية تفســيرها.
تـدبر آيـات الله سـبحانه وتعـالي تدفعنــا إلـي اليقيــن بمحـدودية البشــر فـي القــدرات.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. سـورة ق.
وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ
(37) حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ. سـورة الـزخـرف.
قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ. سـورة الصـافات 51.
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ. سـورة فصـلت 25.
وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) ۞ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ. ســورة ق.
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ. سـورة الـوعـد 11.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خـالــد عــبد الصـــمد.
أضف تعليق