
( وجهًا لوجه )
____________________________________________
منذ غيابي عن الصفحة لظروف قاهرة، وأنا بين فينة وأخرى
أرتاد مقهى ومطعم شبابي مختلط، موجودًا في أطراف مدينتي، وغالبًا ما يكون عدد الرواد قليلًا في الفترة الصباحية.
كنت كلما ذهبت للمقهى أجلس بقبالة إحدى الصور المعلقة على جدار المقهى، الذي يعج بالصور واللوحات الجميلة.
هذه الصور والرسومات مختارة بعناية فائقة، متشبعة بكل الجمال.
أما الصورة يا سادة، والتي لا أكلّ ولا أملّ من مشاهدتها، فهي صورة لصبية، ماشاء الله، وجه هذه الصبية من أجمل ما رأت عيوني طول حياتي، ومجرد ان أتأمل هذه اللوحة، تنفتح نفسي للحياة..
في احد الأيام، كنت أشرب قهوتي، وأراجع قصيدتي، حيث اللمسات الأخيرة لها، والقصيدة التي كتبتها كانت تغزلًا بهذه المخلوقة، ورفعت نظري عن الكتابة للراحة، ونظرت باتجاه الصورة كالمعتاد، كان هناك من حجب الصورة عني..
اووووه.. يا إلهي!
ها هي صاحبة الصورة بلحمها وشحمها تقف أمامي.
هل أنا في حلم أو هلوسة، فركت عيوني، إبتسمت العفريتة لي، وقطعت ارتباكي واندهاشي بمخاطبتها لي:_
يا عمو، كلما صدف وجودي هنا، الاحظ أنك تنزوي، وتدير ظهرك للموجودين بالمقهى، وتروح تمعن النظر بصورتي
طبعًا هذا يسعدني، فهل انت معجب بالصورة، أم بالمصور؟
أجبت على الفور:_
بل بالمصور…
إختفت ابتسامتها، وظهر على محياها صدمة الجواب، هي لحظات فقط، وعادت لها ابتسامتها الساحرة، لما قلت لها:_
نعم المصور، فسبحان المصور الذي خلقك بهذه الصورة.. سبحان المصور… سبحان من خلق..
لقد أنهيت توًا قصيدة غزل بالصورة، فأنا أيضًا رسمتك شعرًا
هل أتشرف لتستمعي لما نظمت بهذا المقام؟
قالت:_طبعًا، طبعًا، وبالتأكيد، وسأكون ممنونًا لك بالتأكيد.
جلست مقابلي، وخاطبتها. ..
سبحان من صوّر…. سبحان من خلق..
ما هذا بربك!
هل هو وجهك من صحا؟
وداعب برعم الزهر فانفتحا..
وراح يستأثر الضوء، وبه انتحى..
فزاح العتمة، وأحضر الضحى..
أم كان عمري هو حجر الرحى..
أسرع بالخطوات إليك وشحا..
ثم رماني على الأرض وطحا..
حيث قذفني بالطول والعرض، وبكل ملامحي محا..
ثم سخر مني زماني، ولام ولحا.
أم هو حبري من استأصل وجحا.
فذاب فيك واحترق.
سبحان من صوّر… سبحان من خلق!
هل الوجد منك قد اكتفى…
أعيد له الرشد فاحتفى…
وسلب منك المجد، وقال:_كفى.
ثم تركك واختفى.
وبعد وجفا وانتفى..
وبعشقك اصطفى.
ونام بين سحر شفتيك وغفى.
فتدفق اليك العشق وخفق؟
سبحان من صور… سبحان من خلق.!
هل من سماكِ.
شلال لؤلؤ قد إندلق…
أم من لماك..
سلسبيل زلال، وخمرة وسكرة العرق.
أم قلبي الغبي، شم هواك..
وعلى هواك، جعلتيه هواك.
ثم العبير نشق
فراح وعشق..؟
أعود واقول:_
سبحان من صور….سبحان من خلق!
يا سيدتي..
هل شعور خفق.
أم أنا من تذوق من شفتيك طيب المُذق..
ام لا هذا ولا ذاك.
بل هو نسرين أفشى العطر واستبق.
سبحان من صور… سبحان من خلق!
هل قلبي صاح وانكوى.
وفاح من عشقك هوى.
لما حجبت عنه رياح الهوى.
وطاح من عبقك فهوى.
ثم حاد وانزوى.
وماد وطوى..
وتهاد وذوى.
ام ان العبق والحبق.
من خدك إنبثق..
كطود ورد…. فانفلق…
وشوق وجد.. فاتسق.
وتوق مجد.. فارتشق…
واوق ود…. وبه غرق…
ورقّ قد… في نسق..
يا سيدتي..
لقد وردتُ الورود لأنتشي الزهور والعبق..
ثم تحيرت.. هل التقط الفراشة وهي الأرق.
ام أسلب من الزهرة التاج والمدق..
فنادتني زهرة من النرجس..
اقتربت من أذني وراحت بها تهمس.
قالت:_
ايها المفلس..
احترس ولا تلمس..
وشكلت جبهة ضدي من عبق الحبق..
ومن الندى ومن الورق..
لكن تراكض من المدى.. موكب الغيد يقوده النورس.
وراحت تحفك الطيور والزهور وبينهم السحر جاهزا يجلس..
وجمال الكون متدثرا بك.. ومن بهاك ينتشي يلبس..
وهرول حسنك نحوي في سباق فسبق..
وقال:_
عندي الجمال والدلال والالق..
وفي ساعة الحال.. حرفي مال..
وجال.. ونطق..
وباختيال وتعال.
قال. سبحان من خلق..
قالت:_
يا للهول ما الذي اسمعه!
بان على وجهها التأثر، وغادرت دون ان تلفظ كلمة واحدة.
في اليوم التالي عدت للمقهى، وبمجرد ما جلست على الكرسي، نظرت للجدار، كدت افقد صوابي، لما وجدت الصورة قد إختفت.
ناديت بصراخ على النادل، واستفسرت عن الصورة.
قال:_صاحبة الصورة طلبتها من إدارة المقهى، ولما سئلت لماذا؟
قالت:_رحمة بعجوز يمتلئ عاطفة..
___
هلوسات نظير راجي الحاج
أضف تعليق