
ساروخ… ساروخ!
__________________________
في خمسينات القرن الماضي، كانت أمي ونحن أطفال، مثلها مثل غيرها من الأمهات، تحكي لنا بالنهار حكايات وقصص في وقت فراغها القليل، وكانت قصصها تبدأ بالقول:_
كان يا ما كان، في قديم الزمان وسالف العصر والأوان.. ثم تسرد قصصها عن الشاطر حسن والسندباد وحديدون وعلي بابا ، أما قبل النوم فكانت قصصها كلها مشحونة بالرعب والخوف، عن أبطال خيالية خرافية وأسطورية، الخط المشترك فيها جميعا هو الرعب والخوف.
عندما كنت أطلب منها أن تعطيني تعريفة أو قرش كمصروف، تتظاهر أنها تبحث في جيابها، ثم تقول:_ تذكرت الآن لقد مر الحكواتي لحارتنا، وجاء من القرية المجاورة لقريتنا، وأعطيته القرش، مقابل أن قص علي حكاية سأنقلها لك..
ثم تقوم بسرد قصتها.
بعد رحيل أمي رحمها الله، ورثت أختي الكبيرة إعادة قصصها مع بعض البهارات الهندية الحارة والخيالية عليها.
في أحد ليالي الشتاء الباردة، راحت أختي تقص علينا إحدى هذه القصص:_
وجهه أزرق، رجله مسلوخة، عيونه مستطيلة، مخالبه حادة كالسيف شعره أجعد، هلامي الشكل، تارة عملاق ، وتارة قزم.
لكن.. بكل الأحوال ، لا أحد يقوى عليه، إنه مدمر، قاتل..
له اسماء عدة (جن، شبح، شيطان، مارد، عفريت، رصد، غول.)، يأتي الواحد من هؤلاء بالليل ويهاجم من يقذف الماء على الارض بالليل، دون نطق البسملة ، أو من ينظر للمرآه بالليل .
أعود لتلك الليلة، كانت أختي تتثاءب أثناء سردها لقصتها المفزعة عن العفريت ،و التي بدأت بها، ثم توقفت عن السرد، ورحنا ننتظر أن تكمل،لكن سمعنا شخيرها.
أخوتي إستسلموا للنوم، هكذا تخيلت، وأنا رحت أغطي رأسي باللحاف من الخوف، وطار النوم من رأسي وأنا أتخيل هذا العفريت.
لم أنم من الرعب بعد هذه القصة التي لم تكتمل.
بعدها سمعت طرقًا خفيفًا على باب الغرفة، لم يستيقظ أي واحد من إخوتي، كان الطرق يأتي ويختفي. قمت من نومي وأنا في رعب شديد،أتقدم على رؤوس أصابع قدمي، ونظرت من ثقب الباب، وإذ أرى الشيطان بدمه وشحمه مقابل الباب، كان قزمًا أسودًا ، إنه الجن الترابي الذي كانت تخبرنا به أمي.
صرخت صرخة مدوية ، وإذ أخوتي يصحون من نومهم، وهم في فزع وهلع، وكلهم أحاطوا بي.
خجلت كثيرًا، لقد كان سروالي مبللًا بالماء، الكل تساءل ما بك؟
قلت:_الشيطان على الباب.
قالت اختي الكبيرة:_هل جننت؟ انت تتخيل!
قلت:_أقسم بالله رأيته، افتحوا الباب لتتأكدوا.
لم يجرؤ أحد من أخوتي وأخواتي ان يفتح الباب، هي ثواني وإذ نسمع جميعا طرق الباب من جديد.
بدأ الخوف والعرق يتصبب منا جميعًا، وساد الجميع الصمت الرهيب. كان أخوتي كلهم أكبر مني .هنا شعرت أختي الكبيرة أنها قائدة المركب، ولا بد أن تتماسك وتبدي شجاعتها أمامنا،فقامت وحملت مكنسة من القش، وراحت تفتح الباب ببطئ، إرتعبت أنا من صوت صرير الباب ، وكأنه يفتح لأول مرة، ويخرج منه هذا الصوت الذي إمتزج مع دقات قلبي، والتي أكاد أسمعها هي الأخرى.
نظرنا وإذ امامنا وعلى بعد مترين الشيطان القزم، يا إلهي!
كان وجهه مصفحًا بالمعدن،وبدلًا من أن نطارده، راح هو وبسرعة فقفز باتجاهنا، ووقف على باب الغرفة فتقهقرنا جميعا لداخل الغرفة وظهورنا للحائط.
صرخت أختي:اخرج يا ساروخ..
(ساروخ هذا كانت تكلمنا أمي عنه فهو إبن إبليس، يأتي على شكل قط أسود).
أخذت أختي بعدها تقرأ المعوذتين وآية الكرسي وبصوت مرتجف. نحن رحنا نقرأ ونردد ما تقوله من الآيات ولكن الشيطان لم يتراجع او يختفي بل تقدم ساروخ نحونا، ولما كان فانوس الكاز مضاء، استطعنا أن نرى ساروخ جيدا.
يا للهول، إننا نسمع صوته، حيث راح يقول :_نااااو…نااااو..
تبين إنه قط أسود، قط جارتنا أم فرحان، جاء يطلب الدفئ، والظاهر انه كان يلحس بقايا علبة السردين الفارغة، التي تعشينا عليها، فطبقت العلبة على وجهه، ولم يستطع التخلص منها.!
انتزعت أختي العلبة عن وجه القط وانضم صاحبنا الخائف الى قائمة الخائفين،ولكن لم ينتزع الخوف من قلبي،خاصة لما أكد لي أبي بعد عودته من السفر، ان هذا ليس قط جارتنا، ولا جن إسمه ساروخ، بل هو (ظام) من أعوان ملك الجن ميمون ابانوخ، فكبرت وأنا أحمل داخلي شابًا جبانًا، أخاف من سلطة أبي ومن عصا المعلم، ومن كرباج شرطي الفرسان، ومن فكرة أنني أصبحت شابًا، وأنا ما زلت في جلباب مجتمعي.
زاد خوفي بعد نكسة1967 م إنكسرت، وبدأت أفقد رجولتي.
شفيت من هذا الجبن يوم معركة عيلبون حيث أول عملية كانت ضد إسرا…. ئيل،واستشهد أول شهيد إسمه أحمد موسى، وقفت على سطح عليتنا، ورحت أصرخ:لا.. لا..
____
نظير راجي الحاج
أضف تعليق