

يوميات أناس عاديين
379
***********
ألمْ تَذكُـرْ هذه الأم اليوم الذي حَبِلتْ بهذا الصبي ؟ ألم تذكر وجع ولادته ذات صباح ، أو ذات ظهيرة ، أو ذات ليل ؟ في قرية ما ، في مدينة ما ؟ ألا تذكر أنها اختارت شريك حياتها و اختارها ، أو لاقتهم الظروف ، وكانت حياتهما كحياة معظم الناس من نفس الطبقة الاجتماعية ؟؟ يتشاجرون .. يتصالحون ثم يستأنفون حياتهم بشكل طبيعي .
قد يبدو للبعض أن الحياة تافهة وحزينة، ولا تستحق أن نعيشها في هدوء ، لكن الأمر ليس كذلك ، فكل واحد منا يتمنى لو يعيشها مرة ومرات ويلونها بكل الألوان .
يقول الطفل صاحب الشكولاطة : لا أستطيع أن أنسى السخرية والقسوة و الصراخ الذي تواجه به ماما بابا .. ولن أنسى الصوت الخافت الذي كان يجيبها به ، والذي يدل على ضعفه وانهزامه أمام غطرستها .. أظن أن الخوف كان يملأ نفسه كلما وقف أمامها .. أصلا هي أقوى منه بدنيا . كلما تخاصما ، لا تترك له الفرصة حتى ليعتقد أن الأمر عفويٌّ و عادٍ يمكن أن يجدا له حلا . أظن أنه كان يُمني النفس أن كل الاضطرابات التي رافقت حياتهما ستزول يوما ما وتتحسن حالته ، لكن تسوء وتسوء كل يوم خاصة منذ فقدانه للعمل كنادل في المقهى .
أما أنا فقد وعيت مبكرا أن مثلي و مثل أبي لسنا بحاجة لأي شخص حي أو ميت ، فاليوم أمامنا شخص لم يَكترِثْ بنا قط .
قال لها أبي : سأغادر البيت إلى حيث يشاء الله تعالى ، هنيئا لك بهذا الصبي وهذا الصيف الذي يطل علينا بحرارته.. قال ذلك وهو ينظر الي بحنان .. ثم ما لبث أن عانقني و أمسك بيدي فخطونا بضع خطوات في اتجاه حديقة عمومية حيث أخرج لفافة سجائر رخيصة أشعلها على مهل ، ثم بلع قرص دواء بالكاد قرأت على علبته ” دوليبران ” أتبعه برشفات ماء كان في قنينة صغيرة أودعها جيب معطفه ، ثم أضاف أبي : بُنيْ هذا هو الدواء الوحيد الذي في متناولي لما تنهرني و تطردني .. هو يخفف علي ألم صداع الرأس . بدوري أخذت ما تبقى من الماء في القنينة و أفرغته في جوفي مرة و احدة وسرنا معا في اتجاه المجهول .
أضف تعليق