

يوميات أناس عاديين // بائعة المناديل الورقية //12//
400
***********
إنني دوما أتذكر ملامح وجهها في ذلك الموقف الإنساني الرائع .. أتذكر لحظةَ لوحتْ لي بيدها اليسرى البضة . ففي ذلك الوقت ، لم يجدْ كلانا ما يقول ، ولكن كنتُ على يقين أنني بصدد تدوين درسٍ من دروسِ الحياة التي تجاوزتْني و تجاوزَتْها . لقد نسيتُ الحوار الذي دار بيننا على طاولة المقهى .. والحقيقة ، لا وصف و لا بلاغة للأحاسيس الفُجائية التي تداهمنا على حين غرة . لقد تأثرت و استحضرت فجأة ضروب الإساءات التي تتعرض إليها هذه الطفلة البريئة كل يوم .
” امْباركة ” كانت ثاني هزة مررت بها هذه السنة بعد هزة آدم ” بائع الشكولاطة ” . ربما هذين النموذجين بصما في نفسي بصمةً لن تنمحيَ أبدا . وكم لُمْتُ نفسي و كل المحظوظين في هذه الدنيا على الإمكانات المادية التي نهدرها في كماليات هي عند آخرين من ضروراتِ العيش .
وليس أشنعُ من أن يحس الإنسان بعينٍ بصيرةٍ ويدٍ قصيرةٍ . الناس يتهافتون ــ بعناد شديد ــ على جمع المال .. هم يظنون أنه الطريق الوحيد الذي يحدد موقعهم في مجتمع قال عنه السوسيولوجي الفرنسي / المغربي ” بول باسكون ” مجتمع خردة .. مجتمع لا هو رأسمالي و لا إشتراكي و لا إقطاعي و لا قبلي و لا و لا … مجتمع فيه كل شيء ، و لا شيء .
وكم ينتشي كثيرون ــ في هذا المجتمع ــ بحرمان الآخرين مما يريدون ، يستعبدونهم كما يحلوا لهم . يستدعي كثيرون كل لحظات ” المعذبين في الأرض ” لخدمتهم ، و ليزيدوا من عذابهم وعنائهم . وأنا أدرك هذه الأشياء بعين الفاحص ، تتيقظ حواسي كلها ، تصير أشد تأجُّجا ، وأكثر حِسيَّةً ، تمقتُ ظواهرَ تهتك كل القوانين ، وكل الأعراف ، والعالم صامتٌ ، شاهدٌ ، جامد دون حراك .
بقلم
سيف أسيف // المغرب //
أضف تعليق