

(عند بائع بالة! )
___________________________
كان هذا وأنا بالصف الأول، جاءت عندي والدتي، وأنا في حاكورة البيت، وشاهدتني وأنا أبكي بكاء مرًا.
قالت:_ما يبكيك يا ميمتي؟
قلت:_أريد كندرة(حذاء)، لألبسها على العيد.
لا أملك كندرة يمْة، أنت تعرفين هذا، كرهت حفايتي المقطعة الوحيدة، زملائي بالصف يسخرون مني، حتى معلمي طلب مني شراء حذاء جديد.
هل نسيت يا أمي، حين قال لي مصلح الأحذية(الإسكافي) آخر مرة يوم رحنا لإصلاح ما يسمى حذاء، حيث قال:_
إتسع الفتق على الراتق!
مافي فائدة.
قالت:_لا أعرف لا فائق ولا رائق..
حضنتني ، وأخذتني بأول جمعة بعدها إلى مدينة نابلس، واتجهنا مباشرة إلى حارة الياسمينة.
وصلنا عند بائع بالة، حيث يبسط أحذيته المستعملة على الرصيف.
طلبت منه والدتي ان يبحث لي عن حذاء يناسبني.
سألني البائع:_
كم نمرة قدميك يا ولد؟
قلت:_
لا اعرف.
قال:_
لا بأس.. هذا حذاء، اشتريته توّا من طفل بعمرك، كان يقود والده الضرير.
وضعتُ بتلهف قدماي بالحذاء، وجدته ضيقًا، وبصعوبة دخلت قدماي به.
سألني البائع:_
أيوة، شو الأخبار؟ هل الحذاء يناسبك، وهل أنت مستريح منه؟
قلت:_
تمام،قلت هذه الشهادة المزورة خشية أن أعيب الحذاء، فتنسحب أمي من عملية الشراء.
سألته والدتي:_كم ثمن الحذاء يا حج؟
قال:_
10قروش.
قالت أمي:_
ليس معي والله إلا 8قروش زائدة عن أجرة العودة للقرية، وبالمناسبة هذا المبلغ هو ثمن بيعنا لحليب نعجتنا لهذا اليوم، والحليب هو قوتنا اليومي ، لكن بعت الحليب مضطرًا، لقد صرعني الولد لأشتري له حذاء!
البائع:_
وماذا سأستفيد، وماذا أكسب أنا!
هل معقول أن أبيع الحذاء بنفس سعر الشراء؟
غير معقول أن تكون وظيفتي هي مجرد تبادل الفلوس، أريد أن أربح، هذا هو المنطق!
نظرت أمي إلى عيوني الحزينة الباكية، ونظر البائع لعيون أمي الدامعة المنكسرة المتوسلة. فقال:_مبروك، بعت، تهريه قدميك يا ولدي بعرق العافية.
على الرصيف الآخر، كان الرجل الضرير واقفًا، ينتظر أن يسوقه ولده الذي باع قبل قليل نفس الحذاء الذي لبسته أنا، وذلك ليشتري حليبا لأخوته في البيت الذين كانوا يتضورون جوعًا.
هذا الطفل، كان يراقب بحسرة وحزن شديدين حذاءه الذي باعه مجبرًا، وكيف تغتصبه قدماي!
أما الطريق فالتزمت الحياد بين قدمينا…
في هذه اللحظة، أصبح يربطني بأرض وطني هو حذائي، الذي لامسها.
رحت أركض في سوق البصل المسقوف، وكأنني أسوق مركبة فضائية، فدست بطريقي على حذاء متكرشًا يقف أمام محله، سبق
أن منعني من أشرب من زير الماء القابع على باب محله، لم يرحم عطشي،التي لم يحس به، لأنه كان منشغلًا بالنظر لقدمي الحافية وهي تتراقص من سخونة الإسفلت.
دست أيضًا على قدم سيدة، تمشي بعجرفة بالكعب العالي، وكأنها أوزة وكانت خارجة من محل بيع كنافة .
لم أعتذر لهما، لكن اعتذرت لظلي حين دست عليه، والذي غفر لي وتحملني طوال حياتي، مثل غفران الرائحة التي تفوح بها الزهور
العالقة على كعب الحذاء الذي دهسها.
تذكرت أمي، فعدت مسرعًا، توقعت غضبها، لكنها قابلتني بابتسامة، لما رأت السعادة في عيوني.
~~~~
نظير راجي الحاج..
أضف تعليق