

( ثم أغمض عينيك حتى تراني )
____
سقطت سيدة عجوز في حديقة تشرين في دمشق ، فتجمهر بعض رواد الحديقة، واتصلوا بالطوارئ ووصلت بعدها سيارة إسعاف، نقلتها إلى مستشفى الفيحاء في الميدان لإسعافها.
في العناية المركزة، قام قسم التمريض المناوب، بعمل الإجراءات المناسبة.
قامت رئيسة التمريض بفتح المحفظة الشخصية للسيدة والتي أُحضِرَت معها، فلم تجد ما يثبت شخصيتها، أو أي شيء يدل عليها.
في اليوم التالي، عثرت ممرضة مناوبة، على ورقة صغيرة متهالكة في جيب داخلي للعجوز، مكتوبًا عليها وبخط غير واضح:_
(الحاجة عائشة…..
مريضة بالزهايمر..وهذا رقم هاتف ولدها أحمد).
الرقم غير واضح تمامًا،بسبب وجود بقعًا من دمها عليه، بسبب أنها ارتطمت بالأرض أثناء سقوطها.
بجانب الرقم، مكتوبًا (ولدي أحمد حبيبي).
مباشرة إتصلت رئيسة التمريض مع ولدها على نفس الرقم، وكان ولدها بالكاد قد فتح محله في سوق مخيم اليرموك. أخبرته أن والدته تقبع الآن في العناية المركزة، وبحالة صعبة وذكرت له أيضًا اسم المستشفى وعليه أن يسرع بالحضور.
حاول ولدها أن يستفسر ويستوضح أكثر، لكن أُُغلق الإتصال، وحاول بعدها للإتصال مجدّدًا لكن دون جدوى.
مباشرة أجرى إتصالًا مع زوجته قبل أن يغلق المحل، واتجه على جناح السرعة إلى المستشفى التي تقبع به والدته.
هي دقائق، وكان الإبن أمام رئيسة التمريض في مكتبها، والتي بدورها اصطحبته معها إلى سرير أمه. وجد كمامة الأكسجين على وجهها،وهناك أسلاك خارجة من جسدها ومتصلة
بأجهزة طبية.
كانت والدته عيونها مغلقة، وتتنفس وتغذى بالأجهزة.
تقدم الولد، وقبَّل جبينها، وعاد وجلس على الكرسي، بجانبها.
أما الممرضة فقد اقتربت من أذن السيدة، وقالت لها بصوت عالي:_يا حجة عائشة، ها هو ولدك جاء. إفرحي..
لقد جاء الحبيب، ظهر على وجهها الراحة، مع ابتسامة خفيفة منها، وكأنها قالت بصوت عالي، وغير مسموع، كلمات جورج جرداق في أغنية:_هذه ليلتي…
أدن مني وخذ إليك حناني..
ثم أغمض عينيك حتى تراني.
قام الإبن بسحب يدها نحوه، وأخذ يقبل كفها، ويضع باطن كفها على وجهه، والأم تتوسع دائرة ابتسامها
لقد ظهر الصفاء على وجهها أيضًا.
بقي الشاب ممسكًا بيدها، ويضم اليد إلى صدره بحنان لساعات طويلة. وبين الحين والآخر كانت الممرضة تطلب منه أن يستريح قليلًا، فكان يعتذر بأدب جم، كانت زوجته تتصل به لتطمئن عن الوضع، وكان يرد عليها باقتضاب، بنعم أو لا.
عند منتصف الليل، راح الشاب في إغفاءة، وإذ به يصحو على حركة على كتفه، ففتح عيونه، وإذ برئيسة التمريض، تقول له:_البقية بحياتك والدتك الآن في ذمة الله،عظم الله أجرك.
شكرها، وظهر عليه التأثر بالخبر وتوجه نحو سرير أمه، فقبْل يدها وجبينها،ثم توجه للممرضة وقال لها وهي تنصت بذهول:_
ابحثي عن ابن هذه السيدة؟
قالت:_ماذا!
أليست هذه والدتك؟
قال:_لا،أنا اسمي جورج، ليست والدتي، وأول مرة أراها.
لما أخبرتيني حضرتك بالهاتف حاولت أن أتصل معك للتوضيح، لكن تعذر ذلك، فقلت بنفسي لا بد من وقفة، فاتصلت بزوجتي لكي لا تقلق علي، واتجهت هنا، لقد أدركت أن ثمة خطأ ما قد حصل، إلا انني لما رأيت عيونها الزائغتين، أدركت أيضًا بأنها بإحتياج شديد إلى إبنها، لكني لم أرى ما حييت مثل ابتسامتها وهي تظن أن إبنها زارها قبل موتها حيث توفاها الله، لقد أغمضت عيونها وللأبد، وهي سعيدة وقريرة العينين معتقدة أن ولدها في جوارها، وأنا قالها والدموع في عينيه، شعرت بالوقت الذي كنت معها أنها أمي.
____
نظير راجي الحاج
أضف تعليق