

( رفعت الجلسة! )
____________________________
أثناء مروري بالصحراء في قطر في العام الماضي،في طريقي من مدينة الدوحة إلى مدينة الخور، التي تبعد عنها خمسون كيلومتر، وعلى الطريق رأيت صبية تحمل قربة ماء، نزلت لأشرب شربة ماء منها، حيث كانت تقف خارج خيمتها، سحرتني البدوية بجمالها الأخاذ، لم أرى مثل جمالها، سرح بي الخيال، وكأنني قد
وقفت على صخرة هناك، وصرخت بصوت عالي:_
يا قوم.. هناك حدث جلل!
خرج الناس من خيامهم، ليستمعوا للبيان رقم ( 1).
قلت:_
انكسف الجمال من سحرها..
فر وأدبر..
فغرق الفؤاد ببحرها..
كرَّ وأبحر…
قال أحدهم:_
من هذه؟
قلت:_
هي ذوق الحياة…
وطوق النجاة…
ومجحر…
هي مثل فينوس وعشتروت وحوراء كوثر…
صرخ آخر بي قائلًا:_
تباً لك يا مجنون، ألهذا جمعتنا، ألا تخجل، تتحدّانا في عقر خيامنا.!
راحوا ووشوا بي لشيخ القبيلة..
جاء الشيخ مهرولًا تجاهي، وقال:_
أيها العجوز…
أنت تماديت في الصبية غزلًا، وقولك أبتر.
وأنت من تشبب، وهذر الكلام وثرثر..
ولم ترتدع، وحسن الكلام لك.. ماعاد أثمر.
فاكتب رثاءك، واشدد وثاقك وانجر..
غادر الشيخ الجمع، وأعطى أوامره لرجال القبيلة ليجروني إلى محكمة
القبيلة، عند قاضي القلطة.
فسيق بي للمحكمة، وحولي طابور عسكر..
أما القاضي الحجاج…
فقد هاج وماج..
وزمجر.
أما أنا..
فقلبي الرجّاج ..
بدأ يحتر.
وعقلي الفجّاج الضّجاج..
أخذ يغتر..
وقفت أمام الجمع المهتاج..
وعلى رأسهم الشيوخ..
إعتقدوا بأني سأكون مثل ناقة راحت تنوخ..
أو مثل سكران، سيرفع الراية ويدوخ..
أو جبانًا، ممتلئاً بالشروخ.
وسأكون لهم ماسح جوخ..
أو مسوخ..
لكن..
وقفت أمامهم بكل شموخ..
وقلت:_
رشفة من شفتيها، حتمًا سيتحول الرضاب لسكر..
أو قبلة من الخد.. وليكن ضرب الرقاب وأكثر.
وصار بالمحكمة جلبة.. جلجلة..
صخب.. لجب.. والوضع تفجر..
صرخ الجمهور الغاضب:
هذا العاصي الغريب لم يتب، وما زال يقول قول منكر..
فحكموا علي بالإعدام ومن أول محضر..
والناس صاحوا… وباحوا… الله اكبر.
قلت:_
دعوني أرافع وأدافع عن نفسي، فأنا خير أنبر..
سيدي القاضي..سأصف لك من سرقت دماغي، وبعدها لك لك الحكم سيدي القاضي:_
الشَّعر…
جدائل شلال غنج لحد الكاحِل..
ويمر على خصرها المائِل.
ولم يكن لي حائِل..
بل جعلني أتمرجح على شعرها وأتمختر..
نعم..
شعرها.. خيوط ذهب وجوهر..
ومروج تهوج وتضوج.. حلاوة سكر…
والحواجب…
رغائب خطوط لهب ومجمر..
والعيون..
عيون مها والرمش خنجر..
والكحائل..
جعلت كل مابي، للإنهيار آيل..
ويا لقلبها ليس بي بسائل..
كان بي يطعن.. ينحر..
والجفون…
سنون رها.. والنقش يسحر..
والخدود…
مكان سجود.. والأنف منبر.
والثغر..
خفقة…. ودفقة أنفاس.
وطبقة.. ألماس..
ورقة….. إحساس.
ورفقة… جلاس..
وزنبقة.. غراس..
ثغر أغر…
والشفة..
مفروشة كبساط أحمر.
وموسم الكرز عليها، تورد وأزهر.
والأسنان…
طبقتي ألماس.. والأنفاس عنبر.
واللسان…
يتمختر بينهما، سلطان قيصر…
واللعاب..
عسل مصفى.. شهد مكرر.
والصوت…
صمت. كأنه لهجة بربر..
والملمس..
همس.. كأنه مهجة من درر.
والمبسم..
خاتم يُرسم، كقطر بنصر..
والوجه..
قمر مكتملاً في يوم بدر.
فالعمر هُنا. هَنا وحنا وانحنى وتعثر..
سيدي القاضي.. هل أكمل يا سيدي؟
القاضي:_
اوووه. أكمل يا ولدي.. اكمل، ما هذا بربك..!
قلت:_
الرقبة…
عود زان،يوم أزهر..
والاكتاف..
مجذاف…
لمن بالحب أبحر..
والأصابع..
محار قواقع. والمرجان إظفر.
والصدر…
قنابل موقوتة، فمن اقترب.. حتماً تفجر..
والخصر..
ضاق حتى صار خِنصر…
والساق…
مفتولة كعمود مرمر.
والمشية…
كالطاووس.. تتهادى.. تتغندر.
والملبس..
قبل أن ترتديه بخس نزر.
وبعد ان تخليه.. تبر أصفر.
يا سيدي القاضي..
هذا غيض من فيض، والباقي تستْر.
إن كنت ماقلته عنها خطيرًا. فالمخفي كان أخطر.
هي سفينتي، وأنا بها قبطان أبحر.
عاشق ولهان.. ونشوان يسكر.
هل أكمل سيدي القاضي؟
القاضي..
أرجوك لا تتوقف…
قلت:_
أنا لا أخاف إعدامكم.. أنا بن شداد عنتر.
أنا فارس مقدام.. أنا الغضنفر..
أنا أسد ضرغام.. أنا الليث حيدر..
أنا عاشق ايفا.. أنا ادولف هتلر..
أنا بزلزال حب، بأقصى درجات ريختر..
القاضي:_احضروا الفاتنة التي تغزل بها هذا المجنون..
دخلت….
ها هو الجمال والبهاء على رؤوس الأشهاد يُنثر..
فأضاء الضياء الفضاء ونوّر.
أما القاضي فلما رآها، انخرس وتمسمر في خدر.
ثم أخذ يدور حول نفسه، ويدندن مع الخيام عمر.
{سمعت صوتا هاتفًا بالسحر..
نادى من الغيب غفاة البشر..
هبوا إملأوا كاس المنى..
قبل أن تملأ كاس العمر، كف القدر}
ثم وقف القاضي، وقال:_
قضي الأمر.. قضي الأمر..
هذه يا ولدي، ملاك حب، بثوب بشر.
ماهذا والله الا سحر يؤثر.
إنطلق يا ولدي، فأنت فدائي محرر..
رفعت الجلسة.
___
هلوسات
نظير راجي الحاج
أضف تعليق