

احلام ..الفتي ناجي
كان ناجي موظف استقبال في فندق الحرم الشهير علي كورنيش الاسكندريه. .كانت وظيفته تحتم عليه الابتسام دائماً حتي ولو بداخله كل هموم الدنيا. .يجب ان يقابل النزلاء باابتسامه ولباقه وبال طويل. .كان ناجي يسكن في شارع السلطان حسين بالعطارين بالاسكندرية. .شارع حيوى يجمع ما بين الانشطه التجاريه ولمحه من المباني العريقه التي كانت ارستقراطيه يوما ما. .كان ناجي احد ثلاثة أبناء لوالدين سكندريبن من الجيل الذي شهد مجد الاسكندرية ايام كانت مقرا صيفيا للحكم. ..وكانت محط اهتمام كبير من الحكومات المتعاقبة في فترة ما قبل ثورة 1952 وما بعدها.
كان احد شقيقي ناجي قد استشهد في حرب أكتوبر 1973 والاخر يعمل على أحد السفن التجارية كمهندس اول السفينه والتي كانت تجوب الموانيء ولا تستقر في الإسكندرية الا نادرا..وكان عبء رعاية والدى ناجي يقع علي عاتق ناجي لعدم وجود سواه وكان يقيمان في المنشيه. .وكان ناجي متزوجا من احلام مشرفة تمريض بمستشفى مصطفى كامل العسكرى بالاسكندرية. .وكان ناجي يحاول ان يقتطع من وقته لمراعاة والديه المسنين وتلبية طلباتهما التي كانت بسيطه للغايه وكان يعاونه في ذلك سيده خمسينية العمر تدبر شئون والديه يومين في الاسبوع لاسيما ان والده كان يتقاضى معاشا جيداً بعد ان عمل طوال عمره في الجمرك بالاسكندرية مما كان يوفر علي ناجي عبء الانفاق علي والديه. .
وكان لناجي ابنين هما باسر في الصف الأول الثانوي وماجد في الصف الأول الاعدادى. .وكانا مجتهدين في دراستهما. .قليلا الكلام هادءين هدوءا يشوبه بعض الخوف والرهبه لأسباب سوف نوردها بعد ذلك.
وكانت احلام زوجة ناجي مشرفة تمريض بمستشفى مصطفى كامل العسكرى بالاسكندرية. .لم تتجاوز الاربعين بعد بها كثير من ملامح السكندريات. .امتلاء بسيط طويلة القامه حديثها به جديه تشبه إلى حد كبير الرجال وجديتهم..ومنذ زواجهما لم يعرف ناجي كيف يستفز ويحرك الانثي النائمة بداخلها. .ولم يعرف طريقه لان يحيي فيها الغريزة الطبيعيبه للاحتضان والامتزاج في مساءات متاخره او في بواكير الصباح بحيث يكون الاستعداد الغريزى في قمة نشاطه في هذه
الاوقات..لم تسلمه مفتاح نفسها ولم يستطع ان يفك شفرة جسدها لينهل منه متي شاء..فعاشا معا حياه اقرب للجفاف العاطفي ..حاول مراراً ان يجعلها تتقلب في فراش الشوق وتشعر كما تشعر سائر النساء ولكن حتي في اقرب اوقات اقترابهما وامتزاجهما كانت ملامحها حادة وكانها تؤدى عمل من اعمال وظيفتها.
وكانت علي مستوى التعامل مع الآخرين والمرضي متجهمه دائماً والعبوس لا يفارق وجهها..تحمل كلماتها صيغة الاوامر والصوت العالي
حتي انها تلقت انذارات عديده من رؤسائها بمحاولة التخفيف من حدة حديثها وتعاملها..وكان نفس الاسلوب متبعا مع ولديها في المنزل مما جعل
الولدين في حالة انطواء وهدوء جبرا عنهما حتي لا يتعرضا للعقاب منها.
ورغم أن ناجي كان يوزع وقته بالعدل فيما بين عمله ومنزله ورعاية والديه المسنين الا ان ذلك لم يكن يعجب احلام التي كانت حتي لاتذكر والديه بالاسم بل تقول له. .انت رحت المنشيه؟ ولم تكن تسأل عنهما..رغم ان والديه كانا دائماً يسالان عنها.
وحين كان ناجي ياخذ ولديه ليزورا جديهما ثم يعودان للمنزل تبدأ على الفور حلقات الاستجواب.للولدين..عما حدث هناك وماذا قال والدهما وماذا فعل الي اخر تلك السخافات.
وكان ناجي يقول لنفسه ربما ان مهنتها ورؤية المرضي باستمرار جعلت قلبها جامدا الي هذا الحد.
كان ناجي يعيش ظروفا ماديه صعبه بسبب انخفاض معدل السياحه والسفر والرحلات وقلة إعداد السائحين وانعكاس ذلك علي دخل ناجي
ومن شدة ماكان ناجي يفكر في الحياه التي يحياها والضغوط التي يلاقيها في العمل وفي البيت مع زوجته ومحاولة إخراج ولديه من الانطواء ..لاسيما وقد تطرق الي سمعه حديث اثنين من المديرين في
الفندق وهما يتحدثان عن اعادة هيكلة العماله..وهو اللفظ المهذب لتصفية العماله او الاستغناء عن بعض العاملين في الفندق. .وكان اهون عليه ان يتجرع السم بيده ولا يطلب من احلام زوجته ان تساعد
في اعباء المعيشه. .وكان يردد لنفسه باستمرار الاقيها منين ولا منين. . وكان كلما نام يحلم بحلم واحد فقط يتكرر باستمرار. .وهو انه يقود
سياره داخل نفق ومهما سار في هذا النفق المظلم لايصل لنهايته ولا يجد فيه بصيص من الضوء في نهاية هذا النفق المظلم.
وفي صبيحة احد الايام التي تكرر فيها هذا الحلم استيقظ ناجي من النوم مبكرا وارتدى ملابسه وخرج واغلق باب الشقه خلفه. .وفتح باب
المصعد ودخل وفي هذه اللحظه سمع سكان الادوار الاولي صوت ارتطام شديد في بئر المصعد. .فقد كان المصعد في الدور الاول واصاب باب الدور الخامس حيث يسكن ناجي عطل ففتح ناجي ودخل دون ان يلحظ عدم وجود كابينة المصعد..
اخيرا وجد ناجي فتحة النفق المظلم الذي كان يحلم به. .اخيرا وجد
ضوء في نهاية النفق المظلم الذي كان يحيا ويحلم به..بينما تجمع سكان الادوار الاولي مرددين..ده الأستاذ ناجي اللي في الدور الخامس..الله يرحمه ويحسن اليه.
قصه بقلم/نصر سيد بدر
###للقصه جزء ثان سوف انشره بعد غدا ان شاء الله.
@إشارة
الضهر..والسند.( الجزء الثانى من قصة.. احلام الفتى ناجى)
نشرت امس قصه بعنوان احلام الفتي ناجي انتهت نهايه تراجيديه قاتمه ..واليوم استكمل جزء اخر من القصه..عله يكسر حدة اللون القاتم..
الضهر..والسند
بعد رحيل ناجي المفاجيء بسقوطه وفاته في بئر المصعد. .خيم الصمت علي اسرته المكونه من ارملته احلام وولديه ياسر وماجد..
صمت دائم لا يكسره شيء ولا حوار بينهم الا فيما ندر..تغيرت شخصية
احلام الامره الناهيه المسيطره تماما..تهدلت كتفيها واصبح صوتها خفيضا بصوره ملحوظه ..اصابها الشرود وعدم التركيز..تحاول ان تمد جسور الموده مع ولديها ياسر وماجد..ولكن مازرعته فيهم من خوف ورهبه حان قطافه حاليا..فحين كانت تحاول ان تفتح معهم حواراً من اي
نوع كانا يردان عليها بعبارات تلغرافيه مختصره مبتسره..لم يستطيعا التواصل مع أمهم الا في اضيق نطاق. .نعم هي امهم ولكنها نادراً ماكانت تنتبه لوجودهم في حياة ناجي..كان تواصلها معهم ينحصر في الامر والنهي والتوبيخ واعطاء تعليمات لا تنتهي.
وحدث ان جاء زميل لياسر ليزوره في شقته..فاصابت الزميل صدمه من شدة النظام..كانهم يعيشون في ثكنه عسكريه..كل شيء موضوع في مكانه بعناية فائقة وغير مسموح بتحريك او نقل اي شيء من مكانه تخت اي ظرف..علاوه علي النظافه المتناهيه التي تصل لمرتبة الوسواس..كانهم يعيشون في غرفة عناية مركزه باحدى المستشفيات
هذا فضلا عن حديثهم بصوت منخفض وعبارات قصيره..فكان من يزورهم من زملاؤهم يشعر ان هذه العائلة فيها شيء غير طبيعي.
بعد رحيل ناجي شعرت احلام با انكسار الروح. .كان وجود ناجي في
حياتهم يغنيهم عن اشياء كثيره. .كان هو فعلا المحرك لحياتهم وهم لايعرفون كيف يسيرون امور المنزل..حتي في الإصلاحات البسيطه للمنزل كان يقوم بها ناجي او يحضر احد المختصين فتنتهي المشكله في دقائق اما الان فالامر اختلف..اصبحت احلام منكسره صامته وكان ثقبا اسود ابتلع حيويتها فاصبحت منطفاه..تعيش حياتها ما بين البيت
والمستشفى وكانها انسان الي لا تتحدث الا فيما ندر وللضروره.
وذات ليله نامت فيها احلام باكيه علي ما صار اليه حالها بعد رحيل ناجى… حلمت بناجى يزورها فى المنام ويوصيها برعاية والديه بدلا منه.. وقبل يديها ورأسها وطلب منها وعدا بذلك.. فوعدته احلام بانها لن تتركهم يوما واحدا دون رعايه.. واستيقظت من حلمها التى تمنت لو كان حقيقه.. وظلت مستيقظه حتى الصباح.. وما ان لاح فى الافق تباشير الصباح قامت الى المطبخ واعدت عدة اصناف من المأكولات واخذتها معها متوجهه الى حيث يسكن والدى ناجي اللذين فوجيء بزيارتها… فاحتضنت امه وابيه قائله لهما.. لنفتح صفحه جديده وارجوكما اعتبراني أبنتكما التى لم تنجباها.
مرت سنوات علي هذا الحال حتي تخرج ياسر من الأكاديمية العربية للنقل البحرى..والحقه عمه الذي كان قبطان لاحد السفن التجاريه للعمل بنفس الشركه علي احد السفن التجاريه..بينما تخرج الابن الاصغر ماجد من كلية الألسن ونظراً لاجادته لأكثر من لغه التحق بالعمل بمكتبة الاسكندريه..وحين قام ياسر بزيارة اخاه ماجد بمقر عمله بمكتبة الإسكندرية. .اعجب بزميله لأخيه. .وحدث تعارف بينهما وتكررت لقاءاتهما حتي تكلل الامر بالخطوبه ثم الزواج…
وفي مراحل الخطوبة والزواج ادركت احلام تماماً ان ناجي زوجها
كان فعلا الضهر والسند في كل شيء حتي وان كان هدوءه الشديد لم يعطيهم ايحاءا بذلك حين كان حيا. .
مرت عدة شهور ثم طلبت احلام من ياسر ابنها مساعدتها في استخراج جواز سفر لرغبتها في اداء مناسك العمره..وقاما باستخراج الجواز وسافرت فعلا..وكانت زوجة ياسر حاملاً في طفلها الاول…
وحين ادت احلام مناسك العمره وعادت..لاحظو عليها ان هناك سلاما نفسياً علي محياها وان هناك اشراقا وسكينه تلف احلام..وبعد يوم من عودتها..دخل عليها ياسر غرفتها قائلاً لها ان هناك شخصا يريد ان يسلم عليها. .فا اسرعت احلام بوضع طرحه كبيره علي راسها.فخرح ياسر وعاد ومعه زوجته وهو يحمل بين يديه طفله المولود حديثا وقال لامه..ناجي الصغير جاي يسلم عليك..سمعت احلام هذه الكلمات وانهمرت الدموع علي وجهها. .الدموع التي اختزنتها سنوات فاضت من عينيها في هذه اللحظه ..بكت كما لم تبكي من قبل ..اخذت الطفل وقبلته
ودموعها تبلل وجهه الصغير..رفعت راسها الي ياسر وزوجته قائله لهم
سيبوني مع ناجي شويه..وحين هما بمغادرة الغرفه قالت له لو سمحت يا ياسر اقفل الباب وراك..
وحين جلس ياسر وزوجته في الصالون خارج غرفة احلام سماعاها تقول للصغير..شفت ياناجي حصل ايه من يوم ما مشيت ؟؟
ومكثت ما يقرب من ساعه تحكي للطفل الرضيع كل مامرت به بتسلسل
غريب..وكان من ضمن حديثها..انا ياناجي قصرت في حقك كتير وماعرفتش اسعدك..كنت طول عمرك بتحاول تسعدني وانا ياناجي كنت
فاكره ان التجاوب معاك في موضوع العواطف ده حايكون ضعف مني وانا ما اتعودتش ابان ادام حد اني ضعيفه..انا ياناجي كنت بحبك وانت طول عمرك انسان مسالم وطيب وجميل بس انا كان صعب اعبر لك عن حبي وابان ضعيفه ادامك..اوعدك ياناجي ياحبيبي اعوضك عن كل اللي فاتنا ..واوعدك انك من هنا ورايح مش حاتفارق حضني مره تانيه
انا ياناجي ماصدقت انك جيت..واخذت ناجي في حضنها وتمددت بجواره
علي السرير..حتي غلبها النوم..وناجي نائم في حضنها.
قصه بقلم/ نصر سيد بدر القاهره
أضف تعليق