أنا الزان وأنت السنديان

قد تسألينني يوما عن حالتي؟
وعن تلك الأوجاع التي ظلت تعاشرني،
وعن هزائمي التي أجهضت مواهبي،
وعن استغراقي في التأمل
بين المجيء والذهاب والتمرد،
وعن تلك الأشياء الجميلة التي ضيعتها في غربتي،
وعن وساوس العمر الذي خلفته ورا ئي.                        عندما عدت إلى قريتي أفتش عن سنديانتي،
تلك التي ضاعت مني ،
قبل أن تشرق الشمس وتسرح في دمي.
وأظنني أنني كنت أمارس العشق،
مع أوراقها وأغصانها الذابلة،
ومع الأعشاب والنوارس المهاجرة.
تلك كانت قصتي،
مع تلك الرسائل التي أذعناها ذات مساء،
حينما كانت الريح تغازل أمطار الشتاء،
وتهمس في أذني أن اسيقظ،
فها هي الأنهار والوديان والرعود المزمجرة،
تملؤني حنينا وتذكرني بأن الله ،
قد أودع أسراره في عينيك وفي عيني…
وان كنت لا  تصدقينني،
دعيني أقول لك بلغات الحزن والألم:
فهذه أباريق الشاي التي كنا نتفنن في شربها معا،
تنادينا ونحن نستحم في بحار من العشق،
ونتجول في مدن الشوق المعرشة من حولنا،
ولكي أجيبك،
يجب أن أقتني من كل شاعر ألف قصيدة وقصيدة،
كي لا أحتاج الى أبجديات اللغات الميتة،
ولا الى رأي الفقهاء  وأكاذيب الأغاني المؤدلجة،
ولا إلى تلك التنظيرات المستوردة .                               ماذا لو تتركينني أقول لك في يسر: ها أنا ذا.
وهذه جبالنا التي كبرنا فوق صخورها،
وعلى تضاريسها المتشعبة.
وهذه أرجوحة لقاءاتنا بعد الساعة الخامسة،
وان لم تصدقي،
يا حلما ظل يسكنني منذ عهد عاد وثمود،
لا أدري كم مرة قلت لك أنني:
أنا أشجارك وصخور غاباتك الممتدة في داخلي
من بني صالح إلى هوارة والونشريس وجرجرة.
وأنك أنت من أزهرت ذات عشية في مقلتي،
يا شمسا ترافق أقمار طيورك، وهي تهاجر شوقا، لتعانق أنفاس الزان والسنديان،
لكن اعذريني،
ان قلت لك من أين لك،
بحقول البنفسج والأقحوان والمرجان والبيلسان؟
وبهذه الرياح والأمطار والثلوج والعواصف؟
وهذه الفصول التي
تزين عينيك ووجنتيك وشفتيك،
أيتها السنديانة التي تعانق مواويل قصائدي،
أتدرين ماذا فعلت ؟
حينما كفنت أحلامي بكلتا يدي؟
وبكيت خوفا قبل أن أعود الى قبيلتي
لعلني أتمكن من رش المكان بعبق قصائدي.
أه كم كنت غريبا ومنسيا ،
في قواميس اللغة وعناوين الكتب،
أنا لا أظن أن التاريخ سيتذكر حاجتي ،
أو يتذكر ،
أن من هزم الروم والتتار والوندال  هو أنت؟                                                           وأن هذا الذي كان يأتيني بأخبارك  سرا..
صار يحدثني عن حكمة المتنبي ولزوميات المعري ،
وعن أيكة الشعر المتوهج،
وعن انسان الأنقلابات والهزائم،
والحروب والهوى والليالي الماجنة؟
بلغة لا أدري كم عدد حروفها ولا فقهائها وشعرائها؟.                           ولا من أين استعاروا بيانها؟
ولا كيف نبتت أزهار البنفسج فوق أكمامها،
ولا كيف عرشت الأمطار والثلوج بين حروفها؟!
هكذا كان الانسان يفكر
بعد أن نأى عن حكمة زانها وسنديانها،
اه ماذا لو تتركينني أمد لساني لعله يحدثني،
عن حكمة تمكنني من اجتياز مواسم القحط،
وهذه الأشواق التي تثير الفوضى،
وشيئا من الحب والقلق الفكري ؟!
أيا زمنا ماذا لو تصدع الحلم ؟!
وفارق عيني ومهجتي،
أتظن أن سكان الحي سيبكون فراقي بأدمعي،
أه لو تدرين أن أعشابي ،
كانت ستتمرغ فوق أعشابك
علها ترتاح من هذا الوجع؟
وأن هذه الجبال وهذه الصخور ،
وهذه الأوتاد والأعلام والسفن.
كانت ستمنحني من تضاريسها،
حبا وغابة وأشجارا وأعشابا وأودية وسهولا،
وبحارا وأوطانا لتنقذ حريتي،
وخرائط توشي أقاليمها مواويل الشعر والتصوف،
وأنا المسافر غربا وشرقا،
وشمالا وجنوبا وفي الأفق.
هذا أنا وهذا سنديانك يطالبني
بأن أظل ذلك العاشق الذي تفتنه السباحة
في أنهارك، وهو يناشد الكروم أن تسكر وتسكرني.
لكن مهلا فربما ثيبة ستمنحني فرصة أخرى،
أمارس فيها جنوني وأنتشي.
هذا أنا أراني من هنا ..                                                أراقب سقراط وهو يتجرع السم ،
ويوصي تلاميذه أن يشنقوه فلسفة وفكرا
وكذلك الحلاج وابن عربي ،
وهما يتسلقان أشجار السنديان النابت بين أصابعي،
وهناك أرسطو وأفلاطون،
يبنيان من أشجار الصندل والتوت والبرتقال ،
سرادق تستظل تحتها عيون المها وأخبار الشعراء.
وهذا ابن رشد الأندلسي،
يرشد من ظل طريقه الى تهافت الفلاسفة؟
اه من لي بسنديانة أستظل بظلها؟!
ولن أدعها تفنى أو تموت بعيدا عن مرابع عشقها؟
هذا ما تعلمته حينما أيقنت ،
أن الحكمة عجوز ،
تداعب حبات سبحتها وهي تغني موالها لعاشق،
قد لا يأتي وقد لا يتأخر عن صلواتها.
وذا النون المصري يقودني الى خلوتي
قبل أن تستيقظ براكين أشواقي وتطردني،
من جنة يقال أنها كانت لعصفور قبل أن تكون لي.
وكنت أنا المنفي دون أن أعرف من غدر بي،
ولا من سار خلفي ليقتلني،
في صمت أسطوري
قبل أن تظهر الشمس ،
من خلفي ومن أمامي لتحررني،
من هذا الوباء قبل أن تمتد عروقه،
في عروقي ليفتك بي .
أنا ما تغيرت
لكن تغيرت الفصول والأقوال والقصائد،.                                  واشتد بي الحنين الى من أضرم النار في دمي.
وأنا أنادي من هناك أنا الزان
وأنت سنديانتي التي ظلت تراودني،
وتنسج بظلها وأغصانها
حكايتي التي نسيت ،
أن أرويها لمن  سرقوا مني هويتي.

بقلم: ابراهيم عثمان

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ