

عقدة الفرنكفونية.. الباثولوجيا النفسية
————————————-
يعتبر الجيل الذي سبقنا محظوظا بعض الشيء، لأنّه عاش بين حقبتين وعاصر هؤلاء الأوربيين الذين علّموه كيف يتخلّص من الزيّ التقليديّ، والمظهر البدوي البدائيّ الذي ظل متمسّكا به لفترة طويلة، المتمثّل في الجبّة الفضفاضة والعمامة الكبيرة بسترة ذات أزرار وصدرية محبوكة تغطّيان النصف العلوي للبدن، وسروال يفرق بين ساقين منفصلين يغطّي نصفه السفلي.
كانت تلك بداية انصهار الجيل المخضرم في الحضارة الغربية، و ارتمائهِ في أحضان الثقافة الأجنبية، فانهال في تراثها الفكري ونهم من أدبها الرّومنسيّ، وحتى إنّه صار يفكّر و يتكلّم بلغة لسانها، فلم يعد هناك ما يميّزه عن غيره من الأوروبيين.
وذهب هذا الجيل المخضرم إلى أبعد الحدود، ليغزو فرنسا وأهلها؛ الذين ظلّوا يعاملونه باستعلاء لفترة من الزّمن باعتبارهم أصحاب الفضل والسمو. فكان منهم المفكّر والسيّاسي والأديب. وحتى إن هناك من البدو الرحّل ”الأنديجان“ السكّان الأصليين من راح ينافسهم على المناصب السياسيّة.
ثم جاء من بعده جيل عاش في ظروف تميّزت بالصراع على مناصب الحكم، ولكن ذلك لم يمنع من انتهاج سياسة وطنية سُميّت ”الجزأرة“. فنحن ومهما ادّعينا الانتماء إلى أصول غير التي ظلّت تربطنا لقرون من الزمن، سنبقى في نظر هؤلاء الأوربيين المتفوّقين علينا في كل المجالات تقريبا مجرّد بدوٍ رُحّل.
لكن الهوّة التي بين الجيل المخضرم والذي أتى بعده؛ أي جيل ما بعد الاستقلال، كبرت حتى صارت عقدة ومتلازمة: ”باثولوجيّة“ نفسية، تُفرّق بين جيل يتقن الفرنسية ويعشقها ويوظّفها في حياته اليومية والمهنية، وجيل يبحث عن هويته الحقيقة؛ ويجد صعوبة في التوفيق بين ”الأمرّين“: الرجوع إلى الأصل و الانصهار في ثقافة الغير.
وهو ما دفع بالحكومة في نهاية السبعينيّات إلى انتهاج سياسة [le bilinguisme] ازدواجية اللّغة كمحاولة للتشجيع على التقارب بين الجيلين: جيل مخضرم تتلمذ في مدارس فرنكفونية، وجيل آخر نشأ بعد الاستقلال وعاش في فترة فراغ تميّزت بصراعٍ فكريٍّ – سيّاسيّ. وبين هؤلاء وهؤلاء و هذا وذاك، ظهر إلى الوجود من بين الأقران، وكنتُ واحدا من بين هؤلاء، من راح يحاول النهل من هذه اللّغة الفرنسية التي سبّبت له عقدة نفسية.
كان ذلك اجتهاد شخصي، وبسببه هناك من تخلّى عن الدّروس الأساسيّة، وانكبّ على الأدب الفرنسيّ بنهم وشغف، مستعينا ببعض القواميس الفرنسية المعروفة: مثل ”لو روبار“ و”لا روس“ وغيرها… ومنّا من بلغ به كرهه الشديد لهذه اللّغة الأجنبيّة حد المرض، وصار يشعر بعقدة تجاهها.
على الرّغم من أنّني لم أكن انتمي إلى ذلك الجيل المخضرم”المنصهر“ أو ”المنصرم“، إلّـا أنّني أحببتُ أن لا أكون مثل بعض أقراني؛ من الذين يعانون من ”عقدة“ النّفور هذه، باعتبار أن الفرنسية لغة كغيرها من اللّغات التي تعبّر عن ثقافة شعب وتراثه، وأخذتُ العهد على نفسي بتدارك العجز متحدّيا كل الصّعاب.
وأذكر أنّني عانيتُ كثيرا خلال هذا المشوار؛ مشوار التحدّي هذا، من عديد النقائص ومن عدّة أشياء أذكر من بينها مثلا: غياب التشجيع المادّي والمعنوي. لكنّني لم ألتفت إلى كل تلك العراقيل ولم استسلم للصّعاب؛ من التي وجدتها في طريقي إلى هذا التحدّي. بل إنّني رحتُ أبحث في جمال هذه الثقافة الأجنبية وفي تراثها الأدبي والفكري. وساقت إلي الأقدار من كان يروّدني مرّة على مرّة ببعض القصص والروايات الجميلة.
كان من بين هؤلاء المشجّعين المخلصين شخص يسمّى: ( ب. نوّار) لا أتذكّر كيف حتى حصل تقارب بيننا؛ لعلها صلة القرابة التي بين حماتي وزوجته؟ وهو من الجيل المخضرم؛ شخص راقٍ ومحترم، كان له الفضل في قراءتي لأحد أشهر القصص ”لا ريفولتي“ للكاتب والروائي الشهير صاحب الموهبة الكبيرة: ”جي دي كار“: – شابّة تنتمي إلى عائلة كبيرة معروفة من المجتمع الراقي، تقتل والدها بالتبنّي وهو صناعي معروف، أمام والدتها.
لم يكن شغفي بالمطالعة هو الدّافع الوحيد لقراءة قصّة عادية كغيرها من عشرات القصص التي اعتكفتُ عليها في شبابي؛ ضاربا بدروسي عُرْض الحائط، ولكن، لما ورد في هذه الرواية الغريبة من حِكم و عبر لا تزال إلى اليوم عالقة بذهني.
م. فوزي
أضف تعليق