
حركةُ الحرف
بديع عاصم الزمان
بحركةٍ من شكلِه
تحرّكَ الحرفُ،
يُرفَعُ، يُنصَبُ، يُفتَحُ،
ويُوقِظُ السكونَ بمعناهُ.
وحينما شقّتْ
طبولُ الوهمِ آذانَ البصائر،
تكسّرَ الصمتُ
في غياهبِ الحركةِ والسكون.
يرفرفُ المسْرَى،
بهمسِه —
رسالةُ الرَّبِّ
إلى أُولي النُّهى:
الذين آمنوا وأصلحوا.
حرفٌ،
بينَ دوائرِ نُطقهِ،
طيرٌ لهُ الجوُّ،
من تحتِ جناحِه
المشحونِ بالمعاني.
تراهُ حرفًا —
لكنّه…
من شكلِ ألفٍ
تنبثقُ منهُ
جميعُ الحروف.
—
فارسُ الحرف: رفيفُ الحرف
توقيع: بديع عاصم الزمان
أنا فارسُ الحرفِ الجليلِ، وليسَ لي
سوى اليقينِ، سلاحُ صدقٍ مُعتَرَفْ
أحملْ حروفيَ كالشواظِ، متوقّدًا،
والحرفُ سيفي، والعقيدةُ لي سنَفْ
درعي هو البرهانُ، صوتُ المحكمةْ،
والعدلُ في قلبي، وتوقيعي كُتُفْ
أمشي على نورِ البيانِ، ولحظتي
ما بينَ حرفٍ قد سما، وظلالِ خُطَفْ
أقفو ملامحَ سِرِّ علمٍ لم يزلْ،
متوشِّحًا أسرارَهُ، لا أرتجِفْ
من في يديه مفاتحُ الكلماتِ،
هو من إذا نادى الوجودُ، بهِ عرَفْ
أنا ابنُ هذا النورِ، من لغتي دمٌ
يجري، وتكتبهُ العروقُ بلا رجَفْ
قد صُغتُ في قلبي مقامَ الفاتحينَ،
وسمَوتُ بالحرفِ المصفّى إذ أزِفْ
قالوا: لمنْ تبني؟ فقلتُ: لعالَمٍ
قد ضلَّ عن نُطقِ الحقيقةِ وانحرفْ
أبني لهُ صرحَ التبيُّنِ مشرقًا،
كالشمسِ في صدرِ الدجى، وبهِ أنِفْ
ما كنتُ أُغرّدُ في الحيادِ، فإنني
من أمةٍ قامتْ على نهجٍ سَلَفْ
أنا من تُراثِ الأنبياءِ كتبتُهُ،
وسقيتُهُ بدمِ التجلّي، لا زَلَفْ
بِحركةٍ سِرّيّةٍ قامَ الحرفُ،
ينبوعُ نُطقٍ في سُكونٍ قد عزَفْ
مرفوعُهُ حقٌّ، ومفتوحُ الرؤى،
نبضُ البيانِ إذا تفجَّرَ واعتَرَفْ
طبولُ وهمٍ شقّتِ الآذانَ ضجًّا،
فانهدَّ صمتُ الغيبِ، حينَ بها اعترَفْ
في مهبِّ سرٍّ، في صدى الأرواحِ،
نَبضَ الحروفُ، فصارَ نورًا مُنعَطَفْ
يرفُ الحرفُ، كالرّوحِ التي سَرَتِ العُلا،
حملتْ نداءَ الحقِّ، فارتقتْ وكَفْ
فيهِ رسالةُ ربِّنا: “هذي دُروبُ
أُولي النهى، أهلُ البصائرِ مَن أنَفْ”
طيرٌ لهُ الجوُّ احتفى بنُطوقِهِ،
جناحُهُ المضمومُ بالصمتِ اكتَنَفْ
حرفٌ، ولكنْ حين يُكتَبُ بالرؤى،
ترتيلُهُ سرٌّ، وسحرُهُ قد سَلَفْ
مواطنُ الحرفِ: الفنونُ جلالُها،
كالبدرِ يهدي في الظلامِ مَن ائتَلَفْ
إني رأيتُ اللغةَ الطُهرَ الذي
حفظَ الحروفَ، فكان سترًا واعتكَفْ
سبعٌ من الأحرفِ، إن بلغَتْ مَدًى،
في سبعِ سبعينَ الحضاراتِ انكَشَفْ
تهيمُ أرواحُ الورى خلفَ النقاطِ،
وفي الخُطى نورٌ يُضيءُ لمن وقفْ
تذوبُ ما بينَ الفتوحِ وكسرِها،
تستنطقُ الأسرارَ، والفتحَ اقترفْ
تُرتّلُ اللغاتُ معنىً غامضًا،
فإذا السكونُ نَبضُهُ حرفٌ عطفْ
حرفٌ، ولكنّهُ لبُّ الوصايا،
ظلُّ المعاني، في المجازِ إذا ائتَلَفْ
منهُ الشريعةُ تستقي أسرارَها،
وبهْ تُقامُ حدودُها، وهو السَّنَفْ
يا قارئَ الحرفِ، استفقْ، لا تقرأنْ
كقراءةٍ عمياءَ في لفظٍ رجفْ
بل ذُقْ حلاوةَ فِكرِه، وتأمّلَنْ:
أنَّ الحروفَ طُرُقُ حقٍّ قد عرَفْ
أضف تعليق