
سفر الى عمق الذات
الزمان : لا ليل ، ولا نهار ولكن قبيل نضج سنبلات الافكار المتمردة على اللون الاخضر لكل المقابسات التي كتبتها اقلام صقور عارية من دَرن الزمان على الواح مُشَفرة ناصعة البياض ، شديدة السواد ، هايمة تُلوح بِمِخيالها الذي شيطنته الحروف وكَاٌبة العِشق الممنوع .
المكان : هناك بعيدا عن جغرافية فقدت بريق عينيها ، وارتبكت احداثيات معالم طريقها ، وطُمست اوثار عشقها ، ورقصت فوق محراب جتثها انغام تشتم من خلالها رايحة جِيفِ مَن رفضت الارض استقبال اكفانها .
التاريخ : عند اصيل هجوم التثار الجدد على شقايق النعمان ، وبُعيد قطف لمعان زهر الزهراء والكَرز بالضبط .
الوجهة : العلُو السامخ في عمق اعماق الذات ، وِجهة لا تعرفها خريطة ، ولم يكتشفها بعد سايح ، وليس بها مُرشد ، وليست على قايمة مواقع سياحية .
لقد التمست من تيار نهري الجارف بفعل دوبان الجبال التلجية القابعة في زمهرير جُحر ثنايا التاريخ ان يحملني إلى عُمق اعماق ذاتي، عبر زورق ذي طبيعة خاصة ،مصنوع من اَلواحٍ ودُسُر ، زورق ليس بمعدني ولا مطاطي، مرجعيته لا تعود الى خشب شجر الارض، ولكن من رقاءق الواح ترانيم زمن قواعد عشق مولانا (الرومي جلال الدين) وقوافي شعر (النابغةالجعدي) وزيتون قافلة (العزيز) والكل ممزوح بدموع ضحايا التاريخ، وقليل من مسحوق الفُلفُل الاَسود المستورد من كوكب اللازمن .
سفر ليس في اتجاه القارات الارضية، لكوني ساتوه فيها ، بفعل الاشطار والحروف المتشابكة مع زوايا معابد انشطة كل القنافيد الناعمة الملمس ، خاصة وان جغرافيا هذا العالم اضحت مُنحَنياتها مُعقدة رسومها، مُشوهة اَلوان صِباغتها ، لا تسُر الناظرين ، غاب عنها بريق نعومة اظافر البِكر في خِدرها، تكسرت على جُدرانها كل حيتيات الذوق الجميل ، أصبحت في حاجة الى من يسعفها ، الى مَن يُمِدها بقارورة اُكسجين لِإنعاش دقات قلبها .
المرء لم يعد قادرا على قراءة خطوط هندستها ،أو الاِقتراب من سياج حديقتها ، او التمييز بين خطوط طولها من عرضها ، غاب رونق انهارها ، وغارت مياه جداولها ، الجبال نفرت من احتضان غاباتها ، اماتوا زقزقة عصافيرها ، والرداءة زحفت نحو وُجودها ، واللامعقول غَرسَ انيابه في احضان اقمار تُطل خلسة خجلى من مصيرها ، مياه العيون المنتشرة في الزمان اختلطت بمياه الجعة الحلال كما افتى بذلك (قس ابن ساعدة) في احدى خطبه التي تفرع فيها الكلام وامتزج بزبد بحر الشمال .
الصدق اضحى رديفا للزيف ، يعشقان بعضهما البعض ، يحضنان بعضهما البعض ، يُقبلان بعضهما البعض في إطار علاقة غرامية تحدث عنها رُكبان اللازمان .
الظل اضحى حرورا ،حتى الحقيقة نفسها تشعبت وامتزجت بسحب سوداء يسري في اَعِنة عروقها مادة سامة ، وكهرباء لا يُنير عتمة الزمان ، بحيت تحولت الى مُزنة غير ماطرة .
حتى اسلوب الحوار والمناقشة في حد ذاته تغيرت حبال اصواته، حيت لم يعد هناك ارتباط بين سِياق المنطوق السابق مع سِياق اللاحق ، وغياب التنسيق له تاثير كبير على طرح الموضوع ، وعلى تبليغه للمتلقي ، وبذلك يستحيل إيصال الرسالة المرجوة ، مع غياب تحقيق الهدف المطلوب ، علما بان اسلوب المرافعة يعتمد بشكل اساس ضمن اركان بنيانه على الدقة والموضوعية في اِتارته، واِلا فان الفشل يكون هو رمز النهاية .
وعليه اٌترث السفر الى عالم الذات من اجل تلقي تكوين اخر يؤهلني حقيقة الى معرفة حقيقة وجودي داخل منظومة معقدة المعالم ، ابراجها من اكدار وانكسارات وحِقد وضغينة قاتلة .
السفر الى الذات هو التمكن الفعلي لمعرفة المحيط الخارجي ، لاستيعاب واِدراك حقيقة محتوى القرارات المتخدة منتصف الليل ، في اعماق دوليب دهاليز الزمن .
السفر الى الذات بعيدا عن مَجرة الزمن الخارجي هي بمتابة زيارة الى مكان مقدس ، من ذون تأشيرة مرور ، ومن دون جواز سفر ديبلوماسي او عادي ، سفر له طقوس خاصة، بعيدة كل البعد عن رَواسب شيطنة سلوكيات العلاقات المشبوهة المبنية على هيكل من زعموا انه موجود ضمن طبقات المقدس .
سفر غريب لا يمكن ان تتحرك عند قراءته الشفتان ،تطوي مسافاته عبر الزورق الخاص بسرعة كميت (عنترة ابن شداد) وِجهته تتموقع بالقرب من محطة الوَريد ، وِجهة قريبة وبعيدة في الزمن ، سفر بمتابة انطلاق التغيير الخارجي الصحيح .
الله غالب
عبدالسلام اضريف
أضف تعليق