
أ. د. لطفي منصور
حُلْمُ الْيَقَظَةِ أَمْ خَيالاتٌ:
في مَقْهَى الْبُنْجورِ، وَعَلى الْعُشْبِ الْأَخْضَرِ جَلَسْتُ فِي زاوِيَةٍ وَحِيدًا، وَأَمامي غَلّايَةُ الْقَهْوَةِ الْمُعَطَّرَةِ، أَرْخَيْتُ لِفِكْرِي الْعِنانَ، وَغِبْتُ عَنْ بِيئَتِي وَعَنْ نَفْسي لِأَقُولَ:
عَرَفْتُها جاهِلًا في بِدايَةِ الطَّرِيقِ ، يَلُفُّها الرَّبابُ الْأَبْيَضُ، بَلْ أَشَدُّ بَياضًا مِنْ جَلِيدِ سَيْبِيرْيا، كُلَّما أَمْعَنْتُ النَّظَرَ بَهَرَنِي الْبَياضُ النّاصِعُ فَلَمْ أُبْصِرْ إلّا وَمْضَةً كَالْبَرْقِ الْخاطِفِ.
يا إلَهِي! كَيْفَ يَكُونُ بَرْقٌ مِنْ خَلايا بَيْضاءَ يَخْطَفُ الْبَصَرَ، وَاسْتَمَرَّ جَهْلِي بِما أَرَى، وَبَقِيَ الْوَمْضُ يَبْدُو مَرَّةً وَيَخْتَفي أُخْرَى.
فَتَذَكَّرْتُ قَوْلَ أَبي تَمّامٍ:
– تَبْدُو وَيَحْجِبُها الْجَمِيمُ كَأَنَّها
عَذْراءُ تَبْدُو تارَةً وَتُخَفِّرُ
– مِنْ كُلِّ زاهِرَةٍ تَرَقْرَقُ بِالنَّدَى
فَكَأَنَّها عَيْنٌ إلَيْكَ تُحّدِّرُ
فَاحْتَرْتُ فِي فَهْمِ كُنْهِ ظاهِرَةٍ ظَهَرَتْ فَجْأَةً في حَياتِي، لَنْ أَسْتَطيعَ الصَّبْرَ عَلى مَجْهُولٍ
اِنْشَغَلَ بِهِ فِكْرِي وَوِجْدانِي لِأَعْرِفَ لَهُ مَنْبَعًا وَأَصْلًا.
امْتَشَقْتُ يَراعِيَ لِأَكْتُبَ شَيْئًا عَلى الْمِلاءَةِ الْبَيْضاءِ الَّتِي بَدَتْ لِي قِرْطاسًا تَقَعُ عَلَيْهُ أَسْطُرِي كَأنَّها حُروفٌ مِنْ نُورٍ. ذُهِلْتُ مِمّا رَأَيْتُ
عِنْدَما قَرَأْتُ: يا صاحِبَ الْحَيْرَةِ الْمُدْهِشَةِ! لَسْتَ وَحْدَكَ كاتِبًا هَيّا اُنْظُرْ إلَيْنا.
شَيْءٌ دَخَلَ فِي رُوعِي أَرْهَبَني، لَمْ أَكْتُبْ هَذِهِ الْعِبارَةَ، مَنْ كَتَبَها إذًا!؟
يا لِجَلالِ الْمَوْقِفِ وَرَهْبَةِ السَّماءِ،
انْقَلَبَتِ الرَّبابُ إلى نجْمٍ بَعِيدٍ عَنِّي، وَاسْتَمَرَّ نَظَرِيِ إلَيْهِ، أَكْتُبُ فَيُجِيبُني، وَيَقْتَرِبُ مِنِّي، وَيَزْدادُ وَهَجُهُ كُلَّ يَوْمٍ. وَمَرَّتِ الْأَيّامُ وَسَطَعَ النُّورُ، وَغَمَرَنِي ضِياؤُهُ حَتَّى اسْتَحالَ كَشَمِسِ الضُّحَى مُحَطِّمًا كُلَّ قَلَمٍ يَقِفُ فِي طَرِيقِهِ، وَأَوَّلُ الْأَقْلامِ قَلَمِي هَذا. أَفَقْتُ مِنْ حُلُمِي وَخَيالاتي وَقَدْ بَرَدَتْ قَهْوَتِي، فَطَلَبْتُ مِنَ النّادِلِ تَجْدِيدَها.
أضف تعليق