# دليل الحيران في زمن التيه والسيلان
بقلم الأستاذ محمد شيخي
الجزء الثاني والأخير

## مقدمة: زمن الاضطراب والضياع
في هذا العصر الذي نعيشه، حيث تتلاطم الأمواج الفكرية وتتصادم التيارات العقائدية، يصبح الإنسان أشبه بسفينة صغيرة في محيط متلاطم الأمواج، تائهة بين الشك واليقين، بين الحق والباطل، بين الأصيل والدخيل. هذا الزمن الذي وصفه الإمام علي (ع) في نهج البلاغة بأنه عصر “تنازعته عوامل الفتن والأهواء” ، حيث يجد الحائر نفسه في مفترق طرق، لا يدري أي سبيل يسلك، ولا أي صوت يصدق.
## مظاهر التيه المعاصر
## 1. صراع النظريات والايديولوجيات
يعيش الإنسان المعاصر تحت وطأة صراع نظري مرير، حيث تتصارع النظريات المادية مع الرؤى الروحية، وتتنافس الأيديولوجيات على احتكار الحقيقة. فمن نظرية التطور الداروينية التي حاولت تفسير الوجود بعيداً عن الخالق ، إلى النظريات الوجودية التي جعلت من الإنسان مركز الكون، وصولاً إلى التيارات العدمية التي أنكرت كل معنى وغاية.
في خضم هذا الصراع، يجد الحائر نفسه أمام أسئلة وجودية كبرى: من أين جئنا؟ ولماذا نحن هنا؟ وإلى أين المصير؟ أسئلة حاولت الفلسفات والأديان الإجابة عنها، ولكنها في عصرنا تحولت إلى ساحة معركة فكرية لا هوادة فيها.
## 2. طغيان المادة على الروح
لعل أبرز مظاهر التيه في عصرنا هو سيادة النظرة المادية التي اختزلت الإنسان في بعده الجسدي فقط، متناسية أن له روحاً تتوق إلى المعنى والارتقاء. كما جاء في نهج البلاغة، فإن للإنسان بعدين: مادي وروحي ، ولكن حضارتنا المعاصرة ركزت على إشباع الحاجات المادية بينما أهملت الجانب الروحي، مما خلق فراغاً وجودياً كبيراً.
## 3. تضارب المصادر المعرفية
في زمن الفيض المعلوماتي والانفجار المعرفي، حيث تتضارب الآراء وتتناقض الأدلة، يصبح العثور على الحقيقة أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش. فمن يدعي النبوة كاذباً ، إلى من يحرف الكلم عن مواضعه، إلى من يزيف الحقائق خدمة لأجندات معينة. في هذا المشهد، كيف يميز الحائر بين الصادق والكاذب، بين الناصح والمخادع؟
## أسباب السيلان الفكري
## 1. انهيار المرجعيات التقليدية
لم يعد بالإمكان في عصرنا الاعتماد على المرجعيات التقليدية بشكل مطلق، فكل يوم يظهر “نبي” جديد أو “مفكر” ثوري يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة . هذا التعدد في المرجعيات خلق حالة من اللااستقرار الفكري، حيث لم يعد الإنسان يعرف من يصدق أو من يتبع.
## 2. غياب البوصلة الأخلاقية
في زمن أصبحت فيه الفضائل نسبية والقيم متغيرة، حيث يُعاد تعريف الخير والشر وفقاً للمصالح والأهواء، يفقد الإنسان بوصلته الأخلاقية التي كانت تهديه في رحلته الوجودية. كما جاء في النهج: “فاستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير” ، أصبح التضحية بالمبادئ من أجل المنافع أمراً مألوفاً.
## 3. ثورة الاتصالات وتفكك الهويات
ساهمت وسائل التواصل الحديثة في إذابة الحدود بين الثقافات والأفكار، مما خلق حالة من التشوش الهوياتي. لم يعد الإنسان يعرف من هو، أو إلى أي ثقافة ينتمي، أو أي فكر يتبنى. هذا التفكك الهوياتي زاد من حيرة الإنسان المعاصر وجعله أكثر عرضة للتلاعب والتوجيه.
## دليل الخروج من التيه
## 1. العودة إلى المنابع الصافية
في خضم هذا الضياع، تبقى المنابع الأصيلة للفكر الإنساني هي الملاذ الآمن. كما أن نهج البلاغة يمثل “مدرسة للعقل البشري وللنفس الإنسانية” ، فإن العودة إلى هذه المنابع العظيمة يمكن أن تشكل خريطة طريق للخروج من متاهات العصر.
## 2. التوازن بين العقل والقلب
لا يكفي الاعتماد على العقل وحده في زمن التيه، ولا على المشاعر وحدها. بل المطلوب هو التوازن بين أدوات المعرفة المختلفة: العقل الذي يحلل ويميز، والقلب الذي يدرك ويستشعر، والفطرة التي تنفر من الباطل وتنجذب إلى الحق.
## 3. التمسك بالثوابت في عالم المتغيرات
في عالم يتغير بسرعة مذهلة، تبقى الحاجة ملحة إلى التمسك بالثوابت التي لا تتغير: قيم الحق والعدل والخير، مبادئ الكرامة الإنسانية، أسس التعايش السلمي. هذه الثوابت تشكل نقاط ارتكاز تساعد الحائر على عدم الانجراف مع تيارات الضياع.
## 4. الحوار الهادئ البناء
بدلاً من الاصطفاف في خنادق متقابلة وإطلاق الاتهامات، كما في الحوارات الجدلية العقيمة التي يصورها بعض الفلاسفة ، نحتاج إلى حوار هادئ بناء يعترف بالآخر ويحترم اختلافه، ويبحث عن المشتركات الإنسانية بدلاً من التركيز على نقاط الخلاف.
## خاتمة: نحو يقين متجدد
في النهاية، فإن “دليل الحيران” في هذا الزمن الصعب لا يمكن أن يكون وصفة جاهزة أو إجابات قاطعة، بل هو منهج حياة يتعلم فيه الإنسان كيف يتعايش مع الأسئلة قبل الأجوبة، كيف يتحمل عبء الشك كطريق إلى اليقين، وكيف يحول تيهه إلى رحلة بحث عن الحقيقة بدلاً من أن يكون ضحية للضياع.
كما قال الإمام علي (ع): “أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا. فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا” . ربما تكون إحياء هذه القيم النبيلة والمبادئ تالسامية هي البوصلة التي يمكن أن تهدي الحائرين في هذا الزمن المضطرب.
فليكن تيهناً بحثاً عن الحقيقة، وسيلاننا سعياً نحو المعنى، وحيرتنا بداية ليقين أكثر عمقاً وإنسانية.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ