دليل الحيران في زمن التيه والسيلان
بقلم الاستاذ محمد شيخي
الجزء الأول.

في زمنٍ لم تعد فيه البوصلة تشير إلى الشمال، ولا القلوب إلى اليقين، يعيش الإنسان المعاصر حالة غريبة من التيه… تيهٌ في المبدأ، في الغاية، وفي الوجهة. نشهد سيلاناً لا يشبه ماء المطر الذي يروي الأرض، بل هو سيلان في القيم، في الضمائر، وفي المعاني. عالمٌ يتبدّل فيه الحق إلى رأي، والباطل إلى وجهة نظر، ويغدو الصواب مسألة نسبية، بينما يُحتفى بالضجيج ويُقصى الهدوء.
أيها الحيران، كيف تسير؟
كيف تمضي بين طرقٍ تتقاطع فيها المصلحة مع المبدأ، ويختلط فيها البرُّ بالاستعراض؟ أين يقف الضمير حين تُختزل الإنسانية في شعارات، ويتحوّل الإحساس إلى ترف؟ لا جرمَ أن الحيرة اليوم ليست عيباً، بل هي إحدى علامات النجاة، لأن من لم يَحتَرْ في هذا الزمن، فربما قد غفا.
القلق علامة وعي، لا مرض
الحائر، هو ذاك الذي لم يرضَ أن ينساق مع القطيع دون أن يسأل: إلى أين؟ ولماذا؟ هو الذي يسير بين الناس، وقلبه مثقلٌ بالسؤال: متى نعود؟ ليس إلى وطنٍ بعينه، بل إلى أنفسنا، إلى صميم إنسانيتنا. إنه لا يجد في هذا العالم كثيراً مما يشبهه، فيظن نفسه غريباً، لكنه في الحقيقة أقرب إلى الحقيقة من كل الذين اعتادوا الزيف.
وهل من دليل؟
نعم، ثمة دلائل وإن خفيت… منها:
أن تصغي إلى وجدانك دون أن تخنقه بضجيج العالم.
أن تبقي جذوة الشك مشتعلة، لا لتُطفئ الإيمان، بل لتنقّيه من الشوائب.
أن تُعلي من قيمة الرحمة، حتى وإن سخر منها الأقوياء.
أن تتذكّر أن الخير لا يُقاس بصدى التصفيق، بل ببصمة الصمت.
في زمن السيلان… كن جبلاً
لا تغرق، لا تذب، لا تتبخر. كن ثابتاً بقدر ما تستطيع. تمسّك بالقيم، لا لأنك متيقّن أنها الحل، بل لأنك لا تجد في غيرها إلا العدم. لا تبحث عن اليقين المطلق، فالحياة لا تمنحه بسخاء، لكن فتّش عن معنى، عن ومضة، عن أثر تتركه خلفك حين تمرّ.
هذا الدليل ليس جواباً، بل رفقة طريق. ومن سار في درب السؤال الصادق، لا بد أن يهتدي، ولو بعد حين. فامضِ أيها الحائر… حيرتك هي علامة على أنك ما زلت حيًّا.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ