الوردة البيضاء
في أعالي الجبال
حيث لا تطا الأقدام إلا نادرا
وحيث السحاب يمر خفيفا كأنه يعتذر

تفتحت وردة بيضاء
وحيدة سامقة
لا تستجدي النظر
ولا تستعير من أحد لونا أو ظلا

لم تزهر لترى
بل لتكون
كأنها نبتت من فكرة نقية
أو من دمعة سقطت من عين ملاك ذات مساء

كلما مرت بها الريح
تراقصت أوراقها لا خوفا بل طربا
تتناثر منها بتلات كأنها رسائل
تبعث إلى من يفهم لغة الصمت

وتبقى الجذور
تشدها إلى الأرض
كما يشد الحنين قلب العاشق

حين تشرق الشمس
لا تكتفي بالدفء
بل تحتضن الضوء كما تحتضن الأم وليدها
تغتسل بأشعته
وتنثر على العالم بهاء لا يشترى

وفي الليل
حين تصمت الأصوات
وتنصت الأرض لأنفاس السماء
تضيء نجومها
وتهمس لها بأسرار لا تقال

فتبتسم الوردة
كأنها فهمت كل شيء
ولم تحتج إلى شرح

وحين يطل القمر
تتوهج
كأنها مرآته
أو كأنها الحلم الذي نسيه في ممرات الضوء

تستعيد بريقها
وتنثره على العابرين في هيئة أمل

الزهور التي تحيط بها
لا تنافسها
بل تتعلم منها
تأخذ من صمتها حكمة
ومن بياضها طهارة
ومن وحدتها شجاعة

الطيور التي تمر قربها
تغني لها
لا لتطربها
بل لتعلن ولاءها

كأنها تعرف أن هذه الوردة ليست من تراب
بل من نور نبت في الأرض خطأ

النسيم حين يمر
لا يعبث بها
بل يمر خفيفا
كمن يمر على ضريح مقدس
يداعبها
ويغادر محملا بعطر لا ينسى

الفراشات لا تطير حولها
بل ترقص
كأنها وجدت في بياضها وطنا
وفي رائحتها ذاكرة قديمة
وفي سكونها موسيقى لا تعزف

وحين تمطر السماء
لا تبتل
بل تروى
كأن المطر يعرف طريقه إليها
وكأن الغيمات تقسم أن لا تسقي سواها

عطرها لا يشبه العطور
فهو لا يشم
بل يشعر
يتسلل إلى القلب
ويزرع فيه سكينة لا تفسر

هي وردة
لكنها ليست كباقي الورود
هي فكرة نبتت
هي صلاة بيضاء
هي قصيدة لا تكتب
هي المعنى حين يتجسد في زهرة

في صباح لا يشبه الصباحات
حين كان الضوء يتسلل من بين أغصان الحنين
رآها

لم تكن وردة فحسب
بل كانت المعنى حين يتجسد في بياض
كأنها بيت من الشعر نبت على قمة عالية
لا يطال إلا بنفس عميق
ولا يفهم إلا بقلب خاشع

وقف الشاعر أمامها
لا كما يقف الناس
بل كما يقف الظمآن أمام نبع لا يشرب منه

كأنها تشبه كل ما كتب
وتفوق كل ما قيل
كأنها القصيدة التي ظل يبحث عنها في كل دفاتر العمر
ولم يجدها إلا مزروعة في صمت الطبيعة

نظر إليها
فلم ير بتلات
بل رأى صفحات بيضاء
كأنها كتاب مفتوح على فصل من النقاء

كل ورقة منها تشبه أستعارة لم تكتشف بعد
وكل أنحناءة في ساقها تشبه بيتا من الشعر لم ينشد

أراد أن يكتبها
لكن القلم أرتجف
واللغة تلعثمت

كأنها أبت أن تختزل في كلمات
أو أن تحبس في وزن وقافية

فقال في سره
ما هذه الوردة إلا نبوءة
جاءت لتُعلمني أن الجمال لا يكتب
بل يعاش

وأن الشعر لا يقال
بل يصمت له

ومنذ تلك اللحظة
صار كل بياض يذكره بها
وصار كل قصيدة ناقصة أن لم تبدأ منها
وصار هو
شاعرا لا يكتب
بل ينتظر أن تزهر من جديد

حين عبرت
لم تكن مجرد لحظة
بل كانت زلزالا هادئا في قلبه

هز فيه ما ظنه ساكنا
وأيقظ فيه ما حسبه قد مات منذ زمن

لم تكن أمرأة
بل كانت المعنى حين يقرر أن يتجسد
كانت الحرف حين يشتاق إن يقال
وكانت الضوء حين يحن إلى الظل

منذ أن رآها
صار قلبه لا ينبض كما كان
بل صار يتلعثم

كأن كل نبضة فيه تحاول أن تكتبها
أن تصفها
أن تحتويها
لكنها تعجز

أصبح يرى العالم من خلالها
لا كما يرى
بل كما يشعر

صار الضوء اهدأ
والهواء ارق
والوقت ابطأ

كأن الكون كله يتأدب حين تذكر

كل شيء فيها ترك أثرا
صوتها الذي لم يسمعه
صار موسيقى تتردد في داخله

مشيتها التي لم يلحظها
صارت إيقاعا يسكن خطواته

نظرتها التي لم تصبه
صارت مرآة يرى فيها نفسه كما لم يعرفها من قبل

لم يعد يكتب كما كان
بل صار يكتب ليقترب منها
ليحاكي حضورها
ليعيد خلقها في الحروف

صار كل سطر يكتبه محاولة فاشلة لأحتوائها
وكل قصيدة ينظمها أعترافا بأنه لا يملك من اللغة ما يكفي

هي لم تترك أثرا
بل تركت خارطة جديدة لقلبه
غيرت تضاريسه
أعادت ترتيب مدنه

وكتبت على جدرانه بيتا واحدا
هنا مرت
فصار كل شيء بعدها ناقصا أن لم يكن يشبهها

محمدنورالدين:

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ