

لمـاذا غـاب فهـم القـرآن الكـريـم (15).
وإكمـالا لمـا جـاء فـي الجـزء السـابق عـن صـناعة الجـدر والحـواجـز النفســية، وصــناعة الجهــل والتضـليل والتشـويش، وعـلي ســبيل المثــال مـن التـاريخ الأوروبــي، وما يسـمي بالعصــر المظــلم، احتكــرت الكنيســـة المعــرفة، ومنعــت ترجمــة الكتــاب المقـدس، والـذي كـان مـدون آنــذاك باللاتينيـــة، فتـم قمــع كـل مـن يحــاول نشـــر المعــرفة بيـن النـاس. وتـم حـرق كـل مـا يسـاعد عـلي نشــر المعـرفة بيـن النـاس، ومـن ثـم حـرق الكـتب التـي تـدعـو إلـي المعــرفة، ومـن الأشـخاص الـذين اتهمــوا بالهرطقــة جـون ويكليــف، الـذي تـرجـم الكتـاب المقــدس، وكذلـك ويليــام تنــدال الـذي حـاول تعليــم الفلاحـين (الطبقــة العـامـة المســحوقة “القطيــع”) الكتـاب المقـدس. ولهـذا عـندما قامـت الثــورات ومـا يســمي ببـدايـة عصــر التنــوير، بغــض النـاس الكنيســة وتمــردوا عليهـــا. هكــذا فعــل الاســتعمار بالـدول التـي احتلهــا، لـم يســتعمر الأرض فقــط، بـل اســتعمر العقــول (امتـلكوا العقــول)، بـإعـادة كتــابه التـاريخ حســب مـرادهم، والأخطــر مـن ذلـك أضــعاف اللغـــة الأصــلية، فصــارت اللغــات ركيكــة وأعجميــة مقـارنة باللغـة الأصــلية (تســمي اللغـات الـدراجـة أو لغــة المرحـلة)، بخـلاف تشـويه الهــوية للســكان الأصــليين (تفــريق المجتمعــات إلـي عرقيـــات وطوائــف ومعتقــدات “أحـزاب” وغــيرها)، ومـع تشــويه الهــوية تـم وضــع الحـدود الجغـرافيـة بيـن الأقطــار، ليتـم تقديـس هـذه الحـدود أكـثر مـن تقـديس المعتقــد الديــني، وهـذا هـو التفكـيك الممنهــج للأمـة والهــوية.
ومـن هنــا جــاءت صــناعة التبعيـــة وإعـادة تشــكيل الـذاكــرة. وبعــد الســيطرة عـلي الـوعـي بصــناعة التجهيـــل، ويليهــا مـا يســمي بتصــنيع القــبول، وهـو مـا يعـني الرضـــا والقبــول بالـوعي الزائـــف “العبــودية المختــارة”، يتـم ضــمان الجهــل بالحقيقــــة والترحـيب بالزيــف بمنتهــي الإرادة، وهنــا يلـزم حســن تـدبـر قبــول الله ســبحانه وتعــالي
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. سـورة الأنعـام 128.
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. سـورة الأسـراء 46.
فـي الشــراكة بيـن أوليــاء الشــيطان مـن الجـن والأنـس، واســتمتاع بعضــهم ببعــض للوصــول إلـي مشــروع الشــيطان، الواضــح والجـلي فـي كتــاب الله ســبحانه وتعــالي فـي ســورة النســاء (لَّعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا).
تصــنيع القــبول هـو التنســيق بحرفيـــه ومنطقيـــة، بتحــويل الخــبر مـن زائـــف إلـي حقيقـــة، عـن طـريق الحصــول عـلي قنــاعة واطمئنــان المتلقـــي، وذلـك عـن طـريق إثــارة العاطفــة، دون النظــر إلـي الفهـم أو التفكــير، ومـن ثـم إثــارة الجـدل بعـيدا عـن المعـني الحقيقــي للحــوار (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. سـورة البقــرة). وقـد نبـه الله ســبحانه وتعـالي الأعـراض عـن اللغـــو، ففـي اللغــو تكمــن الفتــن والصــراع والنــزاع.
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. سـورة المؤمنـون.
وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا. سـورة الفـرقـان 63.
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا. سـورة الفـرقـان 72.
وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ. سـورة القـصص 55.
ولتوطــيد تصـنيع القبــول، لابـد مـن خـلق هــدو دائــم “طـرف ثالــث”، ســواء داخــلي أو خــارجي، لتضــييق مســاحة النقــاش، فيتـم هـدم الفكــر الإيجــابي وإعــلاء الفكــر الســلبي أو الهــدام.
هـذا بخــلاف الســيطرة عـلي الخوارزميـــات والـذكـاء الصــناعي، مـن المفتــرض أن يقــرأ المتصــفح الخوارزميــة، لكـن الحقيقــة أن الخوارزميــة هـي مـن تقــرأ المتصــفح، ويمكـن تطــبيق ذلـك عمليــا عنـد البحـث عـن شـئ مـا. فالمتصـفح لا يفكــر، بـل الخوارزميــة هـي مـن تفكــر لـه، وهـذا فـي تقــديري ما يســمي فقــاعة الـوعـي. الخوارزميــات تســتهلك الكـثير مـن الوقــت، وذلـك بســحب وجـذب الانتبــاه، والحصــول عـلي أكــبر قــدر مـن بيــانات وأفكــار المتصــفح، وهكــذا تتعــلم الخوارزميـــة مـن المتصــفح وليـس العكــس، وبالتـالي تســتطيع الخوارزميــة توجيــه المتصــفح وهـي المحصــلة النهــائية والمــراده. فيتـم تشــويه فكــر المتصــفح، وزرع المعــلومات المعـلومات المغــلوطة بـلا مصــادر موثقـــة، وهكــذا يتـم اســتبدال التفكــير بالانفعــال، فيتـم تحـويل المخــير إلـي مخــير بشــكل تلقــائي، دون أن يـدري “توطــين الغفــلة”، والغفــلة ليســت النســيان بـل هـي الحيــود والانحــراف.
وهنـــا يـأتي دور المثقـف، والمثقــف ليـس بالضــرورة حصــوله عـلي ماجســتير أو دكتــوراه، فالمثقــف هـو مـن لـديه إحـاطـه علميـــة. ومســئولية المثقــف هـي التوجيــه إلـي النــور، والابتعــاد عـن الظــلام، والنمــوذج مـن القــرآن الكـريم لمواجهــة الـوعـي الزائـــف فـي طلــب العـلم دائمـــا (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ. ســورة الـزمـر 9).
العـلم ضــد الجهــل ســواء الطــبيعي أو الصــناعي، ومـع الإحـاطـة بالعــلوم تتســع المـدارك، والحــوار المثمــر الـدائـم مـع النفـس والغــير يعطـي نتــائج جيــدة. ويـلي الإحـاطـة بالعـلم، التحــقق مـن المعـلومـة أو الحــدث (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ. سـورة الحجـرات 6).
الرســول صـلي الله عليـه وســلم بنـي أمـة تســأل لتعــرف وتعـلم، ولـم يبــني أمـة تــردد مـا يقــول الآخــرين، أول الرســالة الخاتمـــة كــان (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. سـورة العـلق 1).
الـواعـي والعــاقـل مـن يبحـــث عـن الحقيقـــة، وليـس عمـا يرضـي قنــاعاته، فأخطـــر ســجن هـو الســجن الـذي لا يعـلم المـرء أنـه بـداخـله، ومـن يمـلك مصــادرة الحقيقـــة، يمـلك عقــل المــرء دون إرادة منــه، وبـدايـة الحـرية فـي التحــري والتحقــق والبحــث.
الســيطرة عـلي الـوعـي الجمعــي، أمـا إيجابيـــة وهـي محمــودة، وأمـا ســـلبية فـي تقييـــد حـرية التفكــير والتحليــل المســتقل، وهـي مـا يقــود إلـي التـرويج للخــوف والانقســام، والتـرويج إلـي الاســتهلاك المفـــرط، وهـذا هـو حصــار الـوعـي فـي التجهــيل، وهـذا مـذمـوم شــكلا وموضــوعا.
نهضــة الأخـلاق لـن تتحـقق إلا بالصــدق والأمـانـة، إحيــاء الفعـــل والعمــل يلـزمه الأخـلاق، فهـي الطـريق المســتقيم لصــلاح المحيــط. وقـد حـث القــرآن الكـريـم عـلي مكـارم الأخــلاق، فـي عـدم التجـسس والســخرية وغــيرها.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ. ســورة الحجـرات.
التـأثيـر الســلبي للـوعـي الجمــعي، تفكــيك المجتمــع وخـلق وعـي جمعـي غــير مســتقل، يســهل الســيطرة عليــه، فيتبنــي الأفكــار والمواقــف المرســومة لـه، وفـي هـذا الانحــدار الأخـلاقي، ينهــار البنــاء الأســري، فيفقـــد الأفــراد هويتهــم.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي. والله ســبحانه وتعـالي أعـلي وأعـلم.
خــالــد عــبد الصـــــمد.
أضف تعليق