
مَنْ يَكْتُبُ مَنْ؟
بقلمي: رانيه محمد صلاح الدين الشربجي
لبنان
لَعَلَّ الْحُرُوفَ لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي نَكْتُبُهَا، بَلْ هِيَ الَّتِي تَخْتَارُ أَصْحَابَهَا، ثُمَّ تَكْتُبُ بِهِمْ سِيرَتَهَا عَلَى صَفَحَاتِ الزَّمَانِ.
كَمْ مِنْ يَدٍ أَمْسَكَتْ قَلَمًا، وَلَمْ تَلِدْ حَرْفًا يَسْتَحِقُّ الْبَقَاءَ! وَكَمْ مِنْ رُوحٍ أَثْقَلَهَا الْوَجَعُ، فَأَنْجَبَتْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، عَاشَتْ أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبِهَا.
سَأَلْتُ الْحُرُوفَ ذَاتَ لَيْلَةٍ:
«هَلْ تَمُوتِينَ إِذَا مَاتَ كَاتِبُكِ؟»
فَضَحِكَتْ… ضَحِكَةً تُشْبِهُ صَمْتَ الْحُكَمَاءِ، وَقَالَتْ:
«نَحْنُ لَا نَمُوتُ… نَحْنُ نُبَدِّلُ الْأَقْلَامَ فَقَطْ.»
فَارْتَجَفَتْ رُوحِي.
وَأَدْرَكْتُ أَنَّ الْكَاتِبَ لَيْسَ مَالِكَ الْكَلِمَةِ، بَلْ أَمِينُهَا، وَأَنَّ الْحَرْفَ لَيْسَ حِبْرًا يُسْكَبُ عَلَى الْوَرَقِ، بَلْ رُوحٌ تَبْحَثُ عَمَّنْ يَحْمِلُهَا بِصِدْقٍ.
لِذَلِكَ لَا أَخَافُ عَلَى الْحُرُوفِ مِنَ الْمَوْتِ، بَلْ أَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ أَنْ تَقَعَ فِي يَدٍ تُفْقِدُهَا شَرَفَ الْمَعْنَى، فَتُصْبِحَ أَصْوَاتًا بِلَا ضَمِيرٍ، وَجُمَلًا بِلَا رُوحٍ.
فَالْحُرُوفُ تُشْبِهُ الْبُذُورَ؛ إِنْ زُرِعَتْ فِي قَلْبٍ نَقِيٍّ، أَثْمَرَتْ حِكْمَةً، وَإِنْ زُرِعَتْ فِي نَفْسٍ مُظْلِمَةٍ، أَنْبَتَتْ أَشْوَاكًا تُدْمِي الْأَجْيَالَ.
وَلَعَلَّ الْخُلُودَ لَيْسَ أَنْ يَبْقَى اسْمُ الْكَاتِبِ مَحْفُورًا عَلَى الْحَجَرِ، بَلْ أَنْ يَبْقَى حَرْفُهُ مَحْفُورًا فِي الضَّمِيرِ. فَالْأَسْمَاءُ قَدْ تَغِيبُ، أَمَّا الْمَعَانِي الصَّادِقَةُ فَلَا تَعْرِفُ الْغِيَابَ.
عِنْدَهَا فَهِمْتُ أَنَّ الْقُبُورَ لَا تَبْتَلِعُ الْكَلِمَاتِ، وَأَنَّ التُّرَابَ يَأْكُلُ الْأَجْسَادَ، وَلَكِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ هَضْمِ الْفِكْرَةِ الصَّادِقَةِ.
فَالْكَلِمَةُ لَيْسَتْ حَرْفًا يُقْرَأُ، بَلْ نَبْضٌ يَنْتَقِلُ مِنْ رُوحٍ إِلَى رُوحٍ. وَالْحَرْفُ لَيْسَ خَطًّا عَلَى وَرَقٍ، بَلْ وَعْدٌ يَقْطَعُهُ الْإِنْسَانُ لِلزَّمَنِ بِأَلَّا يَرْحَلَ كُلُّهُ.
وَإِذَا كَانَ لِلْمَوْتِ سُلْطَانٌ عَلَى الْجَسَدِ، فَلَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى حَرْفٍ وُلِدَ مِنَ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يُدْفَنُ، بَلْ يَنْتَظِرُ مَنْ يُعِيدُ قِرَاءَتَهُ.
ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى قَلَمِي… وَابْتَسَمْتُ.
كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي أَقُودُ كَلِمَاتِي، فَإِذَا بِهَا تَقُودُنِي. أُرِيدُهَا أَنْ تَقِفَ، فَتَرْفُضُ. وَأُرِيدُهَا أَنْ تَصْمُتَ، فَتَصْرُخُ. أُخْفِي وَجَعِي بَيْنَ السُّطُورِ، فَتَفْضَحُنِي، وَأُخْفِي دَمْعَتِي، فَتُحَوِّلُهَا إِلَى مَعْنًى يَقْرَؤُهُ الْغُرَبَاءُ.
وَهُنَا بَدَأَ صِرَاعِي الْحَقِيقِيُّ مَعَهَا…
أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ الْكَلِمَاتِ، وَهِيَ تُرِيدُ أَنْ تَكْتُبَنِي.
أَنَا أُرِيدُهَا أَنْ تَحْمِلَ اسْمِي، وَهِيَ تُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ رِسَالَتَهَا.
وَفِي كُلِّ نَصٍّ أَكْتُبُهُ، أَخْرُجُ أَنَا نَاقِصَةً… وَتَخْرُجُ هِيَ أَكْثَرَ اكْتِمَالًا.
فَلَا أَعْلَمُ مَنْ سَيَرْبَحُ هَذَا الصِّرَاعَ…
أَنَا…
أَمِ الْكَلِمَاتُ…
أَمْ أَنَّ الْخَاسِرَ الْوَحِيدَ هُوَ الصَّمْتُ؟
ثُمَّ أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ، وَتَرَكْتُ الْقَلَمَ يَجْرِي عَلَى الْوَرَقِ كَالنَّهْرِ الْجَارِي.
فَإِذَا الْكَلِمَاتُ تَتَرَاقَصُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِي،
وَتَتَصَاعَدُ كَالنُّجُومِ الَّتِي لَا تُسْأَلُ عَنْ مَخْرَجِهَا.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سَمِعْتُ صَوْتًا يَهْمِسُ فِي أَعْمَاقِي:
«لَا تَخَفْ… فَلَسْتَ أَنْتَ مَنْ يَكْتُبُ، بَلْ أَنْتَ مَنْ يُكْتَبُ.
وَلَيْسَ الْقَلَمُ فِي يَدِكَ، بَلْ يَدُكَ فِي الْقَلَمِ.
وَالْحَرْفُ لَيْسَ ابْنَكَ، بَلْ أَنْتَ ابْنُهُ.
فَالْكَلِمَةُ كَانَتْ قَبْلَكَ، وَسَتَبْقَى بَعْدَكَ،
وَأَنْتَ لَسْتَ إِلَّا مَحَطَّةً عَبَرَتْ فِيهَا،
ثُمَّ مَضَتْ تَبْحَثُ عَنْ قَلَمٍ آخَرَ يَحْمِلُهَا بِأَمَانَةٍ.»
فَفَتَحْتُ عَيْنَيَّ…
وَإِذَا الْوَرَقُ قَدِ امْتَلَأَ بِكَلِمَاتٍ لَمْ أَكْتُبْهَا…
بَلْ كَتَبَتْنِي هِيَ.
وَعَلِمْتُ يَقِينًا…
أَنَّ الْإِنْسَانَ يَرْحَلُ،
وَتَبْقَى الْكَلِمَةُ تُكْمِلُ رِحْلَتَهُ،
وَكَأَنَّهَا هِيَ الْكَاتِبَةُ مُنْذُ الْبَدْءِ،
وَنَحْنُ لَسْنَا إِلَّا الْأَقْلَامَ الَّتِي ظَنَّتْ يَوْمًا أَنَّهَا تُمْسِكُ نَفْسَهَا،
ثُمَّ انْكَسَرَتْ عَلَى الْوَرَقِ،
فَأَنْجَبَتْ كَلِمَةً عَاشَتْ بَعْدَهَا،
وَقَالَتْ لِلزَّمَنِ:
«أَنَا هُنَا، وَصَاحِبِي رَحَلَ… وَمَا زِلْتُ أَكْتُبُ.»
فَمَنْ يَكْتُبُ مَنْ؟
أَنَا أَمِ الْكَلِمَةُ؟
أَمْ أَنَّ الْكَلِمَةَ تَكْتُبُنَا،
وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّنَا نَكْتُبُهَا،
وَكَأَنَّنَا لَسْنَا إِلَّا أَدَوَاتٍ فِي يَدِ الْمَعْنَى،
نَمُرُّ فَنُولَدُ وَنَمُوتُ،
وَهِيَ تَبْقَى تَكْتُبُ نَفْسَهَا بِنَا،
ثُمَّ بِغَيْرِنَا،
إِلَى أَنْ تَأْتِيَ كَلِمَةٌ أُخْرَى تَكْتُبُهَا؟
فَالْإِنْسَانُ يَرْحَلُ… وَتَبْقَى الْكَلِمَةُ تُكْمِلُ رِحْلَتَهُ، وَكَأَنَّهَا هِيَ الْكَاتِبُ… وَنَحْنُ لَسْنَا إِلَّا الْأَقْلَامَ.
وكأنّها هي الكاتب …..ونحنُ
لسنا إلّا الأقلام……
بحروفي: رانية الشربجي
© 2026 رانية محمد صلاح الدين الشربجي. هذا العمل الأدبي من تأليف الكاتبة رانية محمد صلاح الدين الشربجي، وجميع حقوقه الأدبية والفكرية محفوظة.
١-٦-٢٠٢٦
اترك تعليقًا