
لمـاذا غـاب فهـم القـرآن الكـريـم (20).
التغــافل عـن النفـس، هـو كيفيــة التصــالح مـع العيــوب، داخـل كــثير مـن النـاس ثمــة عـدو، وهـذا العـدو غـير مـرئي وغـير مســموع للآخــرين، لكنــه يعمــل فـي صــمت وبفعاليــه. صــوت داخـلي لا يتوقـــف عـن النقــد والتجـريح والتذكـير بكـل خطــأ، وكـل إخفــاق وكـل لحظــة ضــعف مـر بهـا الإنســان، وكـأن هنــاك مـن يبــث النـدم والتقــريع عـلي مـدار الســاعة. الـواعـي والعـاقـل والمتغــافل مـع الآخـرين، لا يجـلـد نفســه. نعـم تقــريع النفـس دليـل عـلي المســئولية الأخلاقيــة، ويكــفي العــودة إلـي الله ســبحانه وتعـالي بصـدق، لطلــب العفـــو والمغفــرة، دون إلحـاق الأذي بالنفـس. جلـد الـذات لا يصــلح الخطـــأ ولا يعـيد لحظــة الخطــأ لتغــيرها، بـل يســتنزف الطـاقة الداخليــة ويشــوه النظــر للنفـس، فيعيـش الإنســان أســير لماضــي لا يمكــن تغــييره. الـواعـي والعـاقـل هـو مـن يـدرك الفــرق الجـوهـري، بيـن المحاسـبة الصـحيحة للنفـس “تزكيتهـــأ”، والجـلد الـذاتـي المـدمـر “دســاها”. ففهـم الخطــوات الـتي أدت إلـي الخطــأ، تكســب الإنسـان منــاعة لعـدم العـودة إلـي هـذه الخطــوات. أمـا جلــد الـذات هـو عـدم فهــم الخطـوات المـؤدية إلـي الخطــأ، بـل الـوقـوف عـلي الخطــأ دون دراســة لـه، فيتمــدد الخطــأ ويتضــخم دون إيجـاد الحـــلول أو التـوبة والأنـابة إلـي الله ســبحانه وتعــالي.
عـندما يخطــأ الإنســان، لابـد أن يـدرك أن الخطـــأ جـزء لا يتجــزأ مـن الـوجـود الإنســاني، منـذ الخـلق الأول (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ. سـورة طـه 121 – وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا. سـورة طـه 115 – فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ. ســورة البقـرة 36). ومـن الحقـائق النفسـية الموثقـــة، أن الأشـخاص الـذين يتعـاملون مـع أخطــائهم بقســوة مزمنـــة، هـم أكــثر عرضــه للوقـوع فـي الخطــأ مجـددا، وذلـك لآن الإحسـاس الـدائـم بالفشـل والعجــز يضـعف الثقـة بالنفـس، ويشـوه صــورة الـذات، وهـذا بــدوره يضــعف القـدرة عـلي اتخــاذ القــرارات الصـحيحة والحكيمــة، وتجنــب الأخطـاء المســتقبلية. آي أن العقـــاب المســتمر للنفـس يـؤدي إلـي النتيجـة العكســية تمـاما ممـا يـراد منهـا. فـي حـين أن الأشـخاص الـذين يحاسـبون أنفســهم بحكمــة، ثـم يتغـافلون ويمضـون ويحتفظــون بطاقتهـم النفسـية الإيجابيـــة، ويبقــون عـلي ثقتهـم بأنفســهم، هـذا يجعـلهم أكـثر قـدرة عـلي الأداء الجـيد، وتجـنب الأخطـاء فـي المســتقبل.
الأخطـاء والإخفـاقات يقتـرفها الإنسـان، لكـن هنــاك صــفات فـي النفـس يخجــل الإنسـان منهــا حـد الكراهيـــة، وقـد تحتـاج إلـي وقــت طـويـل للتخـلص منهــا، ومنهـا الحدة في ردود الأفعــال، والتــردد فـي اتخــاذ القــرار، وقـد يقضــي البعـض وقــت طـويـل “ربمـا ســنوات”، فـي صــراع دائـم مـع النفـس (تـردد – قــلق – اضــطراب). وهنــا يـآتي دور التغــافل عـن النفــس، وهـذا لا يعـني القبــول الســلبي بالعيــوب والاسـتسـلام لهــا، بـل الفصــل بيـن الصـراع مـع العيــب، والعمـل عـلي تطــوير وتحســين الصــفات، مـع الاحتفــاظ بالســلام مـع الـذات، بعيــدا عـن الحـرب الداخليـــة التـي تســتهلك الطـاقة المطــلوب الاحتفــاظ بهــا للنمــو الحقيقــي “التزكيــة”.
الله ســبحانه وتعـالي يعــلم ضــعف الإنســان وقصــوره (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ. سـورة الأنبيـاء 37 – وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا. سـورة الأسـراء 11 – إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. سـورة المعـارج – وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ. سـورة فصـلت 51 – وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ. سـورة الحـج 11).
والله سـبحانه وتعـالي لـم يقطــع رحمتـه عـن الإنســان، ولـم يوصـد فـي وجهــه بـاب التــوبة (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. ســورة الـزمـر 53). الخـالق العظـيم يعـامـل عبـده بهـذه الســعة والرحمـة والمغفــرة، فمـا الـذي يجعــل الإنســان يعـامـل نفســه، بمـا هـو أشــد وأقصــي، وقـد قـال الله سـبحانه وتعـالي فـي ذلــك (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. سـورة البقـرة 286).
الـواعـي والعـاقـل هـو مـن يتغــافل عـن الماضــي، باعتبــار الماضـي تلـك الغـرفة المظلمــة والمغلقـــة، والتـي كــثيرا ما يدخلهـــا الإنســان ويجلـس فيهــا، يتــأمل قــرارته القديمــة وينــدم عليهـــا، ويتمـني لـو أنـه أختــار غــير مـا أختــار. التغــافل عـن الماضــي لا يعــني إنكــاره، أو التظــاهر بـأنـه لـم يكــن، بـل يعــني قبــوله كجــزء مـن مســيرة حيــاة كـامـلة، ومـن المجحــف أن يحـاكـم الإنســان ماضــيه بعقــله الحاضــر ومعــرفة اليــوم.
الإنســان الـذي يتقــن التغــافل عـن نفســه، لا يصــبح أكـثر اســتهتارا، بـل أكــثر حكمـــة، لأنه يوظـف طاقتــه فـي الإصــلاح والبنــاء، بـدلا مـن إهـدارهــا فـي النـدم والتقــريع، والإنســان الـذي يتعــلم مـن أخطــائه ويتجــاوزها هـو قـادر عـلي التقــدم إلـي الأمـام.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي. والله ســبحانه وتعـالي أعـلي وأعـلم.
خــالــد عــبد الصـــــمد.
اترك تعليقًا