اللعبة
بقلم / مايسة إمام

ذات يوم استيقظ الأسد مالا يشعر بالضيق وأخذ يزوم ويدور في عرينه يمينا ويسارا محدثا نفسه :
يالها من حياة سخيفة مملة اليوم فيها لايمر و ليس فيها جديد يسر ، فقد ملكت الغابة بقوتي وفرضت عليها سطوتي سكانها يأتمرون بأمري ويسعون جاهدين لنيل رضاي ،
الطعام يأتيني كل يوم بلا أدني مجهود وفوق الشجرة أمام العرين تسري عني النسانيس والقرود
لقد أصبح كل شئ بلا طعم ولا معني فلذة الامتلاك قضت علي كل اللذات وأفقدتني متعة الشغف لأي شئ في الحياة
وأثناء حديثه لنفسه لمح الشجرة العتيقة القابعة أمام العرين منذ سنين يتقافز بين أفرعها مجموعة من القرود والنسانيس التي اعتاد رؤيتهم دوما بشكل مضحك ووجد زوجته وأولاده يشاهدون الموقف وهم سعداء يتضاحكون
نظر إليهم نظرة سأم ثم خرج إلى الغابة يتمشى

في طريقه قابل وزيره بن آوى والذي ادهشه حزنه وضيقه الباديان علي وجهه بوضوح ، فشكى له الأسد مايعانيه من ضيق وملل
فقال بن آوى :
لو أمر مولاي أحضرت له أطرف الحيوانات لتسري عن عنه وتسليه فلم تلق الفكرة ترحيبا من الأسد
وأثناء الحديث مر الاثنان بقطيع من الحمر الوحشي يلهو عند عين الماء ويتقاذفون الماء في سعادة ومرح
فقال بن آوي للأسد :
مارأي مولاي أن نجعل هذا القطيع من الحمر الوحشي يقوم بما تقوم به القردة والنسانيس فوق الشجرة أمام العرين أعتقد سيكون حدثا غريبا ومسليا ومثيرا يدخل السرور علي قلب مولاي ولا بجعله حزينا
استحسن الأسد الفكرة وكأنما استحضرت شغفه الضائع وعلى الفور أمر بن آوي أن يدعو قطيع الحمر الوحشي
لعرينه هذا المساء لحفله سمر

ذهب بن آوى للقطيع بوجه ودود يقدم لهم دعوة الملك أسد الأسود
فتوجس الجميع خيفة وظنوا أنها مكيدة للفتك بأحدهم فلم يعتادوا من الأسد هذا الكرم المفاجئ ولا من وزيره هذه السماحة ، ولكن لا مفر من الذهاب خوفا من بطش الملك
وبينما هم جالسون في حفلة السمر قال لهم الملك :
مارأيكم ياجماعة الحمر الوحشي أن نلهو قليلا ونسلي أنفسنا
نهق القطيع في سعادة :
نعم الرأي يا مولاي ونحن معك ، فسعادة مولاي سعادة لنا
فقال الأسد :
انظروا هذه الشجرة أمام العرين ، يسكنها مجموعة من القردة والنسانيس اعتدت رؤيتهم كل يوم يتقافزون بشكل مضحك ولكن الأمر بات مملا من كثرة تكراره
فما رأيكم أن يفعل كل منكم ماتفعله القرده و النسانيس سيكون الأمر أكثر إثارة وتشويق ومتعة ومن ينجح
سيكون طعامه وشرابه هبة مني لعام كامل دون مشقة
أو تعب

تبادل القطيع النظرات في توتر ممزوج بالخوف والدهشة فكيف يفعلون ماتفعل القرده والنسانيس فوق أفرع الأشجار وهم بهذا الحجم والوزن لكنهم خشوا غضب الملك إن صرحوا برفضهم
فجأة صاح أحدهم :
يامولاي كيف نفعل ما تفعل القرده والنسانيس ونحن بهذا الحجم والوزن ، لقد خلقنا الله للسعي في الأرض والسير في أنحائها وليس للقفز بين الأشجار ، إن ماتطلبه يخالف فطرتنا التي فطرنا الله عليها ولا يمكن أن ننجح فيه
غضب الأسد من رد الحمار الوحشي الجرئ وأمرهم أن يأتوا جميعا في الصباح لاتمام ماأمر به وإلا سيكون مصيرهم الموت

خرج القطيع من العرين وليس لديهم خيار بديل سوى الانصياع للأمر خوفا من الموت وقالوا :
لا بأس ببعض الوقت نحاول فيه أن نفعل مايفعله القرده والنسانيس ولنعتبرها لعبة نسلي بها أنفسنا ونضمن رضا الملك وطعام عام كامل
صاح الحمار الوحشي الجرئ :
لن استسلم لرغبة ذلك الأحمق المخبول ووزيره الخبيث وأضيع حياتي وكرامتي كيف تقبلون هذه المهانة ؟! بئس القوم أنتم !
سأرحل عن هذه الغابة باحثا عن مكان آمن و مرعى آخر لا أذل فيه وأصبح لعبة في يد غيري وغادرهم علي الفور

ومع شروق صباح اليوم التالي توجه القطيع منكس الرأس نحو عرين الأسد لتنفيذ الأمر
جلس الأسد وزوجته وأبناؤه ومن خلفهم وزيره بن آوي يبتسم ابتسامة ذات مغزى وبدأ العرض فجرت مجموعة من الحمر الوحشية تحاول تسلق الشجرة والتشبث بفروعها تشبثهم بالحياة فيصطدمون ببعضهم البعض وهم يقفزون فيسقط الواحد منهم تلو الآخر مابين كسير وكسيح ومصاب وميت، والأسد وأسرته تتعالي ضحكاتهم في سعادة غامرة
حتى تهاووا جميعا فنهض الأسد من مجلسه وتبعته زوجته وأولاده ووقف أمام الحمر الوحشية التي تئن ولا تقوى على النهوض وقال :
يبدو يازوجتي العزيزة أن لدينا وليمة كبيرة ستكفينا مدة طويلة وانقضوا جميعا عليهم يفترسونهم وتعالت صراخات الحمر الوحشية وهم بين أنياب الأسد وأسرته

وقف بن آوى يرقب المشهد بخبثه المعهود وقال ساخرا :
أغبياء ، ظننتم تنجحون في تقليد القرده والنسانيس وظننتم أنه سيفي بوعده لكم أيها الحمقى تستحقون مانلتم
وأنت أيها الملك الغبي المغرور تظنها تسلية وأضحوكة ونسيت أن لهم أبناء سيأتون يوما للثأر لآبائهم وحين يتكاتفون سيجعلون منك وليمة لهم

فوق الجبل خلف الغابة وقف الحمار الوحشي الجرئ يرقب المشهد الدموي المؤلم لأهله وعشيرته وهم يتساقطون كأوراق الشجر وتنهشهم أنياب الأسد
أخذ يردد في حزن : ليتكم ماتنازلتم عن كرامتكم ، ليتكم استمعتم لصوتي ورفضتم
ثم.التفت خلفه نحو صغار الحمر الوحشية وأشار إليهم بالسير نحو الغابة وهو يقول : هيا أيها الصغار لدينا عمل كثير لنعيد ماأضاعه الكبار

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ