

قصة ايش
عرس في القرية
إستيقظ ذلك الصباح و الفصل ينحو في مهل نحو الربيع، بدت له من على الدرج أوراق شجر الرمان كثيفة وقد بدأت ترتدي فستانها الأخضر وتوشح الحمرة زهرات ثمارها، وكأن الطبيعة رسمت للوطن على صفحتها علما.بين يديه، كانت قطعة خبز من فرن الطين ترقص على نغمات أسنانه الصغيرة البيضاء، يلوكها في فمه مع قليل من لبن، وتنتشي أذناه بزقزقة العصافير تحط قريبا على جدار تبني أعشاشها داخل ثقوبه لتضع بيضها وتطعم بعد ذلك فراخها وتحميها. كانت الساقية في “اورتو” تسليه بخرير مائها غير بعيد تحت كرمة نشرت أوراقها و تدلت عناقيد تحتها تحمل حبات عنب خضراء صغيرة.استيقظ على صوت رجال يرددون في حماسة:”مرحبا مرحبا –—- برجوع الملك”.مد بصره فرأى رجلا منهم يدفع عربة بها تربة بيضاء اعتاد أهل البلدة أن يسموها “تارّيست”، يزينون بها أرضية أزقة القرية عند كل مناسبة.كان”مو بلحسن”رحمه الله،يلبس سروالا ومعطفا رماديين.يضع حذاء طويلا يمتد حتى ركبتيه. صار يضرب الأرض بقدميه منقادا لذلك الصوت القادم من بعيد كما يفعل الجنود عند كل استعراض.خلفه،ظهربساط أبيض يتبع خطواته وهو يتقدم عبر جانب شبه مظلم من الزقاق أسفل
غرفة الضيافة بمنزل إمام جامع القرية.كانت الحماسة تملأ عينيه،كان شابا. من على ذلك الدرج، مد الصغير بصره إلى بعض الأبواب المجاورة،فإذا هي مزينة بأقواس من جريد النخل منسوجة بعناية فائقة.ورايات حُمر تعلو أسطح منازل مرتفعة عريضة الجدران بنيت بالحجر والطين.لم يكن يعلم بأي ملك يتغنون، ولا لمَ أخذت قريته زخرفها وازينت ذلك اليوم – ولم تمض على عودة محمد الخامس من المنفى سوى أعوام- كان يقف أعلى الدرج المؤدي إلى منزل عائلته التي شهدت ميلاده بعد ذلك ببضع سنوات.كان ذلك في الشهر التاسع من بدايةستينيات القرن العشرين، في قرية صغيرة وديعة على الحدود الشرقية للمملكة المغربية مع الجزائر”إيش”،حيث رأى ذلك الصغير”تِيمَحْ”النور تحت سقف من خشب صبغه دخان الكانون بالسواد،يقف محركا رجله ثملا من حسن ما يرى،ويترنح تحت تأثير ذلك الصوت القادم من هناك،من ساحة المحطة الطرقية”تلات نْعَلٌّو”.يفتح عينيه على تلك الخضرة تمتزج في تناسق وصفرةَ الرمال الصحراوية.كان أبواه من البدو الأمازيغ؛لم يتلقيا أي تعليم إلا ما كانا يسمعانه من قرآن كريم من شفاه فقيه القرية عندما يأتي دور عائلته في إعداد وجبة الغذاء أو العشاء على شرفه ومعه كل كبار البلدة،أو من بعض الأحاديث النبوية عن”سي عباس”في ساحة الجامع وقرب دكاكين القرية.كانا ورعين تقيين،تطبع البساطة عيشهما.لم يتذكر من الأيام الأولى في حياته الكثير،سوى اللعب تحت أشعة الشمس الحارة،على الرمال الصفراء الحارقة التي كانت تغطي قريته آنذاك،صفراء ذهبية،يلمع بريق حباتها من بعيد كلما مدت إليها الشمس خيطا رفيعا من أشعتها الصافية””
أضف تعليق