( قصة بنطال  )
~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في صبيحة هذا اليوم، وأنا أجلس في برندة شقتي، أنظر للشارع الذي يعج بالحركة. حافلات صغيرة وكبيرة تنقل الطلاب لمدارسهم،وذلك لتقديم امتحانات التوجيهي، والبعض يحملون دوسياتهم وكتبهم في يديهم،  ويمشون باتجاه المدرسة  التي سيمتحنون بها.
عادت بي الذاكرة لطفولتنا الجميلة المعذبة لأيام المدرسة.
كل يوم يحدث هذا المشهد أمامي لكن هذا اليوم كان يختلف عن غيره، حيث غمرني الحزن لما تذكرت قصة سمعتها من  أحد الأشخاص في اجتماع عزاء، حيث قال:_
تعالوا نعيد عقارب الساعة لسنة 1959حيث كنت أسكن إحدى قرى مدينة نابلس في فلسطين.
  اسمي( بسام) ، وأنا الآن أتجهز لدخولي الصف الأول، ولي أخ أصغر مني اسمه (مأمون) ، مرشح للدخول بعد سنة للصف الأول.
أبي كان يعمل بالزراعة، وأمي تقوم بالأشغال الشاقة بالبيت، من إعداد الطعام والشراب، وجلب الماء على رأسها من نبع ماء القرية، بالإضافة لأعمال الطابون والعجن والخبز وتربية الطيور والحيوانات الداجنة، وغيرها من الأعمال.
هذه الحياة البسيطة، تفاصيلها كثيرة.
في الأسبوع الأخير من شهر آب لهذا العام وكنت أنا وأخي وأبي وأمي نجلس لتناول طعام العشاء.
قالت أمي لأبي:_
يا زلمة، بعد أيام ستفتح المدرسة، وولدك بسام بحاجة لبنطلون(بنطال) جديد ليذهب به للمدرسة، لا يملك إلا بنطلون واحد، وكما تراه فهو مرقعًا.
مباشرة قال أخي الأصغر مني مأمون :_
وأنا أريد بنطلون.
سمعت تنهيدة كبيرة من أبي، توقف عن الأكل، وذهب وحمل إبريق الفخار، وغسل فمه، ثم عاد ليقول:_
غدًا سنجهز انتاجنا من العنب، وبعد غد سأذهب للمدينة، أبيع العنب،وإن شاء الله خير.
لم أنم تلك الليلةوأنا أنتظر الصباح لذهاب والدي للمدينة، ومن ثم عودته.
عاد والدي وهو يحمل سلة بها أغراض.
هجمت مع أخي باتجاه السلة، أخرج أبي كيس ورقي فيه فلافل، وفي السلة ملبس مخشرم، وبكيت راحة الحلقوم، وعلبة دبس تمر،  وبعض أغراض للبيت، وأخيرًا أخرج لي بنطالي الجديد، وقال لي:_تهريه بعرق العافية،لقفته منه وركضت للغرفة الثانية، وخلعت بنطالي القديم، ولما أخذت ألبس البنطال الجديد، رحت ألعن  كلسوني  اللعين الآخر، والمصنوع من قماش كيس الطحين المقدم من وكالة أغاثة اللاجئين!
عدت للغرفة التي يجتمع الكل فيها،راح الكل  ينظر لبنطلوني، كنت أرى السعادة فقط على وجه أمي. أبي  كان شارد الذهن، وأخي الصغير يظهر عليه الزعل.
قال أخي مأمون، أريد بنطلون مثل بنطلون أخي.
قال أبي:_لما تدخل المدرسة يابا.
اوعدك أشتري لك بنطلونًا جديدًا، أي في السنة القادمة لما تدخل إلى المدرسة.
راح أخي يحتج بطريقته، إذ راح يتمرغ بالأرض ويبكي، قال أبي له:_
يلعن أبوك، شو أروح أشحد يعني! مافي مصاري معي يا ولد، وخرج..
أما أمي فأخذت تبكي على أخي وتقول:_
يا حسرتي يامّة، سيشتري لك أبوك بنطلون عند موسم الزيتون، بعد شهرين، وحياتك يا عفريت رايح أشتري لك، ولو ببيع إسوارتي. وراحت تحتضنه، وهي تقول:_
اهدأ اهدأ، يا حبيب ميمتك.
قمت ولبست بنطلوني، وأنا أشعر بسعادة غامرة، ثم خبأته عن أخي  فوق الخابية (مخزن القمح).
في صباح أول يوم مدرسة، قالت لي أمي لما شاهدتني وأنا لابس البنطلون:_
كأنه مفصل عليك خصوصي، لا تغادر قبل أن أخرج رغيف الخبز، لتأكله مع الدبس.
ذهبت أمي للخبيز بالطابون، فقال لي أخي الصغير:_
دعني ألبس بنطلونك لوقت الإنتهاء من الفطور ، وسأخرج لدقائق للزقاق ليراني الأولاد، وسأعطيك بالمقابل عشر دواحل(كرات زجاجية).
قلت له:_سيتوسخ، لن أعطيك.
قال:_طيب دعني ألبسه الآن لدقائق فقط، دون أن أخرج.
قلت:_حِل عني..
هذه المرة، نزلت دموعه على الساكت، حزنت عليه، وقلت له:_
اوعدك، وبعد عودتي من المدرسة أن أجعلك تلبسه،فهجم علي وحضنني.  كنت بغاية السعادة لسببين:_
أولهما، أنني أملك بنطلوني الكتان الكاكي الجديد، وثانيهما، سآخذ تعريفة(نصف قرش) مصروف لي كما وعدتني أمي.
ذهبت لمدرستي وأنا في سعادة غامرة، وأقول بنفسي:_
يا أرض اشتدي.. ماحدا قدي.
قبل الخروج باتجاه المدرسة، كان أخي ينظر بحسرة على بنطلوني.
راح وذكّرني :_
لا تنس، لقد وعدتني.
قلت له :_
قسمًا بالله سألبسك البنطلون اليوم. وخرجت.
في الحصة الأخيرة، دخل مدير المدرسة إلى الصف، وتقدم ووشوش المعلم، امتقع وجه المعلم، وظهر عليه الحزن، نادى علي، وقال:_
عد للبيت، أهلك عايزينك.
خرجت باتجاه البيت، ولما وصلت، وجدت أهالي البلدة مجتمعين في البيت، ورأيت أمي وقد مزقت صدر ثوبها، وهي تنوح وتبكي، أسرع خالي باتجاهي وحضنني، وقال:_ اسمع يا خالي،لقد سمع أخوك قبل ساعة، صوتًا بالخارج، صرخ لأمك قائلًا:_
جاء أخي، سألبس البنطلون الجديد.
خرج للشارع مسرعًا، فصدمه تراكتور ومات فورًا.
أصبت بالصدمة، والكل راح يحضنني ويقبلني.
بحثت عن أبي، عرفت أنه أغمي عليه، حضنته، ورحنا نبكي معًا.
ذهبنا لصلاة الجنازة، بعد صلاة العصر، لاحظت بقعة كبيرة من دم المرحوم على الشارع الترابي الذي حدث به الحادث.
ذهبنا باتجاه مقبرة القرية، ولما اقتربنا من مكان الحادث، عدت مسرعًا للبيت، خلعت بنطالي الجديد، ولبست القديم، كانوا قد أنهوا حفر القبر، وقبل أن يضعوا سقف الحفرة من الحجارة، صرخت بجارنا الذي كان داخل القبر:_قف.. قف.
توقف الرجل، ورفع رأسه.
قلت له:_لن ينزل أخي للقبر إلا إذا
لبس بنطلوني، لقد وعدته.
أخذني خالي جانبًا وقال:_مستحيل يحصل هذا، لقد غسلناه وكفناه وصلينا عليه.
قلت:_لن أغفر لحالي، أنا وعدته، لقد مات، وهو ينتظر البنطلون.
أخذ خالي يشير بيديه، أن أخي جسده مفتت ومقطع، فعلمت أنه يصعب أن يلبس البنطلون.
قلت :_يابا… يابا..
هل تسمح لي أن أرمي بنطلوني فوق جثمان أخي، لقد وعدته، وكان نفسه أن يلبس البنطلون.
الصمت الرهيب خيم على الجميع، وزاد نحيبهم لما قلت هذا،ثم قلت لأبي جملة، سبقت عمري كثيرًا،كيف خرجت مني، لا أدري!
ما موقف بنطلوني حين يمر من بقعة دم أخي على الشارع؟
سيستحي بنطلوني!
أشار أبي لجارنا أن يضع البنطال فوق جثمان أخي.
بعد ثلاث أيام وانتهاء مراسيم العزاء، أخبرني والدي أنه سيشتري لي بنطلون جديد بعد الأربعين للمرحوم.
قلت:_والله لن أشتري بنطال جديد لهذا العام.
____
نظير راجي الحاج

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ