(  العجوز  الذكية وسدراتها )
عن قصة حقيقية حدثت لي 
بالامس مررت بحينا القديم ,  بالتحديد ( منطقة بغداد الجديدة حي الخليج ) ذلك الحي الذي كان يضم بيتنا الجميل , حي كان يدفئه ويغطيه ويحميه , حتى صار رمزاً للامان في زمن التيه والانفلات الامني والطائفية المقيته التي مررنا بها جميعا , فلفت نظري باب في بداية الحي لا يبعد كثيرا عن دارنا , ذلك الباب أكلته تجاعيد الأيّام , نقشت فيه أضافر الزمن خدوشا وأخاديدا تحكي قصصا كثيرة , حروف وعبارات لم تعد مفهومة الان , لانها مقطوعة التفاصيل , كان بابا لدار يغطي سياجه  شجرة سدر عملاقة وثمارها الطرية والجافة تملأ ارضية المكان وتحكي قصة طفولة ذات ذكريات خصبة معبأة بالتفاصيل والتي أغلبها جميل يحوي شيئا من البراءة تغلفها بعضا من الشقاوة , المنظر كبّل خطواتي والذكريات بدأت تنهل علي كفيلم شاهدته سابقا لكن ضاعت من عندي أغلب تفاصيله , لكنها نزلت عليّ كالمطر , فبللتي ببهجة أسعدتني لدرجة الانتشاء .
المكان مضلل بشكل جميل كأنه لوحة رسمت بيد فنان , شمسه نافرة بعيدة , لا تستطيع الولوج اليه في أغلب أوقات اليوم  , فيما مضى كان سياج البيت عال لدرجة لا استطيع فيها أن اتسلقه الا بوسيلة مساعدة , ( لأسرق بضع من حبات السدر اللذيذ ) … ( مساعده اصدقائي ) , وهو الان بمستوى كتفي وأستطيع بكل سهولة أن أرى مابعده .
تذكرت أنني في أحدى المرات وكالعادة كنت أنا غالبا من يقوم بالمهمة بينما رفيقاي يتخذون لهم موقعا للمراقبة , لم أكن حينها أعلم أن هناك كمينا بانتظاري قامت به الجدة العجوز والتي كانت تراقبنا لمرات عديدة دون أن تنجح بالايقاع بنا , فنحن صغار سريعين وخفيفين بالهرب وبارعين بحرفنة بأساليب المناورة , ولكنها في هذة المرة كان كمينها محكما فوقعت في شراكها وكأنني عصفور مبلول لا يستطيع الطيران , كانت يديها خفيفتين بشكل لا يصدق وأنا الذي تعودت على يد ابي التي تنزل على خدي تصفعني تأديبا حينما كنت أخطأ في شيء ما , ولا يد معلمي القاسية التي كانت تنزل كالصعقة بل ربما أكثر , سألتني الجدة وبعد أن هدأت من روعي وقالت يابني لم تتحمل كل هذه المشقة من أجل ثمرة متوفرة تستطيع الحصول عليها بطلب بسيط مني , لم لا تستثمر جهدك هذا في عمل مثمر يفيدك ويفيد عائلتك
كان كلام تلك السيدة العجوز يدخل القلب دون جواز مرور … عبر أسواره  بكل هدوء وسكينة , سيطر على حواسي وكأنه أحسسني بالشلل , وبشيء قليل من خجل , لكنني رغم كل ذاك كنت سعيدا . أنتهى كلامنا بأن أتفقنا أن اطرق الباب , حينما تهفو نفسي الى ثمار شجرة السدر ولتحضر معها أنائين واحد لي وواحد لها …فنتقاسمه بكل هدوء وسعادة   وكان الله يحب المحسنين

هيثم الزهاوي

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ