فرحة العودة

فرحة العودة تُشبه الزهرة التي نمت وسط الرماد
جميلة في ظاهرها لكنها تحمل في جذورها ألم الفقد والاحتراق
إنها عودة بلا عناق الأحبة
بلا تلك الأصوات التي كانت تملأ المكان حياة
تلك الفرحة الممزوجة بدموع الحُزن ومرارة الفقد تلك اللحظة التي ينتظرها النازحون بفارغ الصبر
ولكنها تأتي مُحملة بأثقال الذكريات والوجوه الغائبة
ستُفتح أبواب المدينة كأنها بوابات الزمن تُرحب بأهلها الذين غابوا عنها

عام وثلاث أشهر مرت مليئة بالوجع والفقد والألم عاشوها بين آلام الحرب
وبقايا الأمل الذي نبت في قلوبهم كزهرة صغيرة تنمو وسط الصخور
النازحون هؤلاء الذين عايشوا الفقدان بكل تفاصيله
يترقبون اليوم لحظة العودة
لكن أي عودة هي؟
العودة إلى بيوتهم التي أصبحت مُدمرة
إلى شوارعهم التى كانت يوماً ما مليئة بالحياة
والآن أصبحت صامتة لا تسمع فيها سوى صدى الخطوات الثقيلة لقلوبهُم المُنكسرة
فرحة العودة  ليست فرحة مُكتملة
هي عودة للذكريات للوجوه المفقودة
للأوقات التي مضت
هي خطوة على أرض تطوي عظامها بفقدان الأمل
هي لحظة بين الألم والرجاء
بين الضياع والعودة
بين الموت والحياة
هي أن تجد نفسك في مكان كُنت تحلم بالعودة إليه
ولكنك لا تجد من كان معك
ولكن القلب لا ينسى من كان معه
ولا ينسى من غادره في أحلك لحظاته
فحين يضع الإنسان قدمه في المكان الذي فقده
يشعر كأن قلبه يعود إليه مع كُل خطوة وكأن جسده يسترد جُزءاً من روحه المفقودة
ولكن هل يمكن أن تعود الحياة كما كانت؟
لعل هذه العودة تكون بداية لفرح
لكن كيف تفرح عندما تجد منزلك بلا سقف يحميك؟
كيف تبتسم وأنت ترى سرير والدك خالياً وكوب القهوة الذي كان بيده قد تحول إلى غُبار؟
كيف تعود إلى شارعك وقد أُطفئت أنواره ولم يبق فيه سوى آثار الأقدام الغريبة؟
عادوا … لكنهم لم يعودوا كما كانوا
عادوا وقد غاب الأب تاركاً روحه مُعلقة بين أطلال الذكريات
عادوا وقد فقدوا تلك الأسرة التي كانت تزرع الفرح حول طاولة بسيطة
عادوا حاملين حقيبة ثقيلة
حقيبة مليئة بالذكريات التي لم تكتمل بالوجوه التي كانوا يأملون أن يروها في يوم عودتهم
لكن العودة ليست كما تمنوا
عادوا دون الأم التي كانت تملأ الليل بدفء حنانها
غابت عنهم ضحكة كانت تملأ المكان
ورائحة كانت تُعيد الحياة لأيامهم
هل يعرف الزمن كيف يكتب الحزن حين تغيب الأم؟
أم أنه يعجز عن ترجمة تلك الفراغات التي لا تملأها الأيام؟
كُل حجر وكُل زاوية تهمس بأسماء غائبة بأرواح لم يعُد لها مكان إلا في القلوب
العودة ليست مُجرد قرار
إنها نزف للقلب وامتحان للروح
هي تلك اللحظة التي نجمع فيها شظايا أنفُسنا
بعد أن تناثرت بين الذكريات والغياب أن تقف أمام ما خسرته
أمام ملامح من غادروا
ثم تُحاول أن تُعانق الحياة من جديد هو أعظم أنواع الألم وأعمق أشكال الشجاعة ومع ذلك نستمر
ليس لأننا أقوياء بل لأن الحنين يقودنا ولأن الحُب الذي نحمله في قلوبنا لمن رحلوا يجعلنا نبتسم رغم الدموع
نحن نعيش كي نحملهم معنا
كي نحكي عنهم حين يملأ الصمت المكان
كي نجعل ذكراهم نبضاً لا يخفت أبداً

فى النهاية أحمل معك ذكرياتك وآلامك لكن لا تنسى أن تترك مكاناً صغيراً للأمل
لأننا مهما انكسرت أرواحنا
سنظل نحلم بيوم أفضل
نعود فيه كما كُنا
أو ربما أقوى مما كُنا

عماد سالم ابوالعطا

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ