
الهروب.. أم الرحيل؟
هل يُلام الإنسان إذا أراد الهروب من جحيم لا يُطاق؟
من وطن تحول إلى كابوس
من أرض مُثقلة بأحمال الفقد والخراب
من واقع انهار فيه كُل شيء؟
أصبحت الحرب اليوم قانوناً لا يرحم
لا يُخضعه زمان ولا يُكسره عقل
ما تتركه في مسارها هو فقط الخراب
والدمار تاركة خلفها آثاراً لا تُمحى على كُل شيء في طريقها
المُستشفيات التي كانت تُعيد الحياة تحولت إلى مقابر صامتة تحمل بين جُدرانها أنيناً لا يُسمع
المدارس التي كانت منارات للعلم أصبحت اليوم أطلالاً تبكي على ذكرياتها
الحقائب التي كانت تحمل أحلام الأطفال الصغيرة باتت الآن تذرف دموعاً على ما فقدته من أمل
الجامعات التي كانت مصانع للفكر تلاشت وكأنها لم تكُن يوماً
البيوت التي احتضنت الحُب والذكريات هُدمت أمام أصحابها
لم يبقى منها سوى الغُبار وصرخات لم يسمعها أحد
كيف يعيش المرء في وطن بلا حياة؟
كيف يتنفس في مكان صار قبراً بلا شاهد؟
نحمل حقائب صغيرة لكنها مُثقلة بالذكريات…
صور الأحبة ضحكات الأطفال
أعياد الميلاد البسيطة
جلسات السمر تحت سماء كُنا نظنها صافية إلى الأبد
كُل شيء أصبح بعيداً كأنهُ كان ينتمي إلى حياة أُخرى
كأنه حلم لم يكُن لنا
لكن كيف نهرب من أنفُسنا؟
كيف ننجو من صدى الأذان الذي كان يملأ السماء؟
كيف نُغلق أعيُننا عن الشوارع التي مشيناها صغاراً
عن البحر الذي كان يُداوي جراح قلوبنا؟
كيف نُطفئ نار الحنين التي تشتعل في أرواحنا مع كل نسمة عابرة؟
الهروب ليس جبناً بل هو صرخة في وجه واقع لا نملك تغييره
لكنه أيضاً ليس نهاية الطريق .. ربما فقط ربما نجد في الرحيل بداية جديدة…
مكاناً نستطيع أن نبني فيه أحلامنا من جديد
أن نكتب قصصنا بأيدينا دون أن تُمزقها الحرب
لكن الحقيقة المُرة هي أن الهروب لا ينهي شيئاً
ما نهرب منه يسكُن في داخلنا
في نظراتنا
في لهجاتنا
في نبض قلوبنا
الهروب مُجرد مُحاولة لتأجيل المواجهة لكنهُ لا يلغيها
كيف وصلنا إلى هُنا؟
كيف تحولت أرضنا الخصبة إلى مقبرة جماعية؟
كيف أصبحت سماؤنا التي كُنا نعد نجومها مسرحاً للموت؟
هل نلوم القدر؟
أم نلوم أنفُسنا؟
أم أن كُل شيء قد كُتب علينا منذُ البداية؟
في النهاية أُدرك أن الهروب وهم كبير
لا مفر من هذا الألم
لا مفر من الوطن الذي نحمله معنا أينما ذهبنا
كُل الطرق تؤدي إلى نفس الحقيقة
نحن مُشردون
لكن هل نعود؟
أم نبقى في رحلتنا الطويلة نحو المجهول؟
أم أننا سنظل عالقين في هذه الدوامة نحلم بوطن جديد
وننسى أننا في أعماقنا نبحث عن شيء واحد فقط
أن نكون كما كُنا ولو للحظة واحدة
لكننا رغم كُل شيء لن نتوقف عن الحلم
لن نتوقف عن الأمل
ولن نتوقف عن إنتظار الفجر
لأننا رغم كُل شيء أبناء هذه الأرض
والأرض لا تنسى أبناءها
عماد سالم أبو العطا
أضف تعليق