
صباح اليوم في مقهى الانديجان
حوار الحواس في زمن فوضى الأشياء.
في زاوية معتمة من العقل، اجتمعت الحواس لتناقش فوضى هذا الزمن، حيث الأشياء تفقد معناها، والأصوات تختلط فلا تُميّز، والروائح تتشابه فلا تُفرّق.والوجوه لا شكل ولا لون لها ،فقط القهوة بنكهتها استنطقت الحواس.
العين تنهدت وقالت: “لم أعد أرى الأشياء كما كانت، الألوان تلاشت خلف شاشات باهتة، والوجوه فقدت ملامحها خلف أقنعة من اللامبالاة.”
الأذن تأوهت: “وأنا لم أعد أسمع سوى ضجيج لا معنى له، ضحكات مزيفة تتردد عبر الأثير، وكلمات خاوية تسقط دون أثر.”
الأنف تدخّل قائلاً: “أما أنا، فالعطور التي كانت تروي الحكايات القديمة تلاشت، لم أعد أميّز بين رائحة الأرض بعد المطر ورائحة المدن المختنقة بالدخان.”
اللمس شارك بحزن: “كانت الأشياء تحكي قصصها عبر ملمسها، الدفاتر تروي أحلام الكتاب، والخشب يحمل ذاكرة الزمن، أما اليوم، فكل شيء ناعم بلا روح، بلا أثر.”
اللسان تنهد قائلاً: “والنكهات؟ أصبحت بلا ذاكرة، الأطعمة فقدت أصالتها، وصارت المذاقات متشابهة كأنها نسخ مكررة من فراغ.”
ساد الصمت لوهلة، ثم همست الروح التي ظن الجميع أنها غائبة: “إنها ليست الأشياء التي تغيّرت، بل نحن الذين فقدنا القدرة على الشعور بها. حين نستعيد دهشتنا الأولى، ستعود الحواس لتحيا من جديد، وسط هذا الركام.”
ارتعشت الحواس، كأنها تذكّرت نفسها، وبدأت تبحث عن أثر الدهشة في عالم مزدحم بالنسيان.
الاستاذ محمد شيخي.
أضف تعليق