
عشرة إلا واحد في الخن .
قصة قصيرة
علوي بن محمود
( لا تستقيم التوسمات الطيبة مع النوايا الخبيثة فقد تنقلب في لحظة الى ميسم على القلب ).
كان لعكدار زوجتين الأولى انجبت له خمسة اولاد ذكور واربع بنات والثانية انجبت فقط ابن وحيد في آخريات شيبة والده
.
وكان وادي الكنان حيث مااستقر عكدار مع اسرته ولابشر حواليهم لمايصل الى مئتي كيلومتر
اجتهد عكدار في غرس النخيل في بطن الوادي وخصص جرب اخرى لذري محاصيل الذرة والدخن وكان عونه في ذلك ابنائها وبناته الكبار فأخصب الوادي وازدهر وتشربت ذريته الأولى عشق طين الأرض وتعودت ارجلها على الماء البارد حين السقي
لكن عكدار في الأصل يعود الى قبائل بدوية من الرعاة وضلت روحه متعلقة بالجبال العوالي وماتطيب نفسه الا برؤية وعولها وضبائها تتقافز برشاقة ومع كل قفزة يتنسم عكدار نفس حرية المرعى ويتناسى للحظات مسروقة أسر النبات والسقياء
وحاول جهده ان يورث بنيه عشق الجبال لكن نفوسهم طابت للوطاء ولين الخلبه
انما صغيره جزول كان اشدهم تعلقا بأبيه ولايطيق فراقه وهو ان لم يكد يبلغ التسع من عمره الا انه يتسلل لاحقا بابيه الى شعب يكدر زينة جبل الجنان بوعوله واسراره ونقائه الصرف وهذا الهارب الصغير حافي القدمين الشارد من بين يدي امه يتتبع خطوات ابيه قصا بالأثر بلازاد ولاماء واي سعادة اضاء بها قلب عكدار واي بريق ابوي وحنو صافي في عينيه حين تفاجئ بالصغير الزري يركض نحوه ويصرخ ( يااباه خلني شمك لما اموت ).
يحتظن عكدار آخر عاقبته ويجلسه قربه ويناوله قربة ماء ليشرب فقد لهثت طويلا ليلحق خطوات ابيه المديدة
وها ان انفاس الصغير هدأت فقاسمه ابوه زاده وخبزه وعاتبه بحنو ( وكيف بغيتني لقي فيك ياجزول كذا تلحقني شريد ياحيا وانا ابوك لأعلمك معيشة السواح وكيف تلقط رزقك المكتوب في محاني الجبال وخذها كرامة من جدودك وخذ جلدهم وقع هميم عسى لك الجودات من بين اخوانك )
وارتحلا طويلا اكلا من عشب البراري وشربوا الماء من جذور النبات
وجزول هذا الغلام الفتي يحفظ تعاليم ابيه وتقاليد الرعاة كأنها اغنيات حميمة تطبع في قلبه للأبد
ومن يومها كان رفيق ابيه في رحلاته المعهودة الى جبال الجنان حيث يهدئ جنانه ويطيب خاطره
وهاان جزول يناهز الثالثة عشر من صباه
اخوته مشغولون بالنخيل والاطيان ولايلتفتون كثيرا الى شنهوز الشيبة كما تلقبه امهم غيرة من ضرتها وحسدا لحب يكدار لاخر زرعه التالي الذي توسم فيه خيرا من يوم ان ادركه في الجبال
وهاان عكدار يستسلم لوهن تسعين سنة مرت على جسده ويرقد طريح الفراش
وهاهي زوجته الكبرى تعاتبه ان اوصي لبنيك بالحق ولا تشطط ولا تعدل بين من اثمر النخل على يديه وحصد المواسم وبين من حمشت قدمية في وعر الجبال
كان قلب عكدار ممزق بين بنية ولازالت سيرة بني يعقوب يتناقلها الرعاة وكانت صغرى زوجتيه تكن له عشقا وتؤمن برجاحة عقله في احلك الأوقات وكان قلب عكدار ممتلئ بما زرعه في قلوب بنيه ولم يكن يخشى الا نزغت الشيطان التي فرقت بين بني يعقوب
وهاان عكدار يأخذ من بنيه عهدا بقبول حكمه وقسمته كآخر وصياه وكلامه من الدنيا
فأعطوه عهودهم والمواثيق الغلاظ ففصل عكدار الخطاب واوصى وادي الكنان بكل مائه ونخيلة وبدوعه المزهرة لزوجتة الأولى وبنيها وبناتها ولجزول وامه شعب يكدر وجبل الجنان لايشاركهم فيها أحد وتسع دجاجة لعصبة الأخوة ولجزول ديك يتيم مايكاد يبتدئ الصراخ
ندهه عكدار لبنيه أن هل رضيتم بقسمي وحكمي
اجابه الجميع بالقبول ومع اول الفجر اسلم عكدار الروح مطمئن البال مرتاح الضمير
وهاان جزول يرتحل بأمه وديكه الصغير الى شعب يكدر ترفرف حواليه روح ابيه ووقع خطواته وتلاطفه ارواح اجداده الرعاة مع كل نسمة شاردة
برمح ابيه وبقوسه اصطاد جزول وافيات الوعول وزين بقرونها المحناة ارباع داره الذي بناه من حجر قرف يكدر
وخالته تلك التي شفت غيرتها في ضرتها لم يكن شغلها الا جمع بيض تسع دجاجات كل يوم
مضى العام والذي يليه وحصد العصبة خيرات الوادي وامتلئت مخازنهم بالغلال
لكن الزوجة الأولى لم يكن يحز في نفسها الا موت اربع من الدجاجات وهن في غياب الديك مستحيلات عن التعويض
وهاهي تبعث احد بنيها مبايعا شرايا الى اخيه شنهوز الشيبة تبغي ديكه اليتيم عارضة عشر اواع من التمر ومثلهن ذرة ودخنا
لكن الشنهوز اللئيم رفض بيع الديك محتجا انه تذكاره الوحيد من ابيه وان صراخه يهون على امه وحشتها في الجبال حال انشغاله بالسياحة والصيد
وتكررت العروض وتضاعفت وحفية ارجل اخوته في وعر الجبال تحت الحاح امهم للحصول على الديك
وكانت لطيفة لم تغب عن قلبها حكايا زوجها المرحوم ووقرت في روحها كل حكمت سنواته التسعين
هاهي تغالب تعلق ابنها بالديك وتذكره بمقولة كان يرددها ابوه ( ثق بابوك وامك احياء كانوا او اموات ) ويستسلم جزول لرأي أمه هذه العوباثية الصمصومه بنت الأجاويد
وتنزل لطيفة بنفسها من شعب يكدر حاملة ميراث ابنها الوحيد لتقدمه طوعا الى ضرتها العتيدة الا انها اشترطت بذهنها الصافي ان يكون الديك عهدة عند ضرتها لعامين بشرط ان نصف ذريته من دجاج وديوك تكون لأبنها وتعود مع ابيها ديك جزول الى شعب يكدر بعد الحولين الكاملين وكان لها ماارادت
امضت لطيفة عاميها تجمع الكحل الجبلي والغسة وهي كالطين المغربي تستخدم كصابون وشامبو وتبعث ماتجمع لديها مع مايجمعه جزول من قرون الوعول لصنع قرون الجنابي وهي خناجر وسلاح ابيض شعبي في المنطقة ومايجمعه من عسل النحل الجبلي وبعض الاعشاب العطرية والطبيه ويرتحل مئتي كيلو متر الى اقرب قرية ليبيع خيرات الجبل الوعر ويعود لأمه برزق مبروك ومبارك بنعمة رب السموات الرحيم الذي لم ينسى احدا من خلقه وقسم بينهم رزقه بالعدل الذي احتفظ به كسر في غيبه الذي لم يطلع عليه احد
وهاان ديوك كثيرة بعضها لم يناهز الصياح وفرخات ظريفة يتردد صداها في جنبات حيد يكدر الصميم
وهاان لطيفة ترغب ابنها جزول في الزواج وتتمنى له زوجة صالحه تؤنسها في جبل الجنان
ولازال جزول محجما يصر على جمع مهر يليق ببنت جبال من خيرة بنات البدو الرعاة كما يتوسم من صياد جبلي مثله في اعراف المنطقة
كان جزول قد جمع قطيعا من ثلاثين عنزة وفحلين رائعين كلهم بيض في اللون اتبع بهن سفوح الجبال وكان يردد لأمه اذا مابلغ القطيع مئة قدمته مهرا لبنت الحلال وكانت المئة بعيدة عن لهفة لطيفة لرؤية احفادها لكن الصبر تميمة يعقدها الأنسان بزنده وعسى عواقب الصبر خير
وبعد برهة من زمان وجزول يرعى اغنامه وجد اثرا في احد الشعاب كان ابوه قد علمه كيف يتبعه ومضى جزول يتتبع الأثر وخطوات ابيه الى جانبه تحثه ( ايه ياجزول مد الخطى وانا ابوك ربيتك من حلال ايه يا سرقلبي عساك لاتخيب بين الأجواد ) وبأدوات بدائية اخذ جزول يضرب جنبات الجبل وابوه يضاحكه مازحا ( حيا ابوك ياصليب الراس الجودات والفضيلة لك من بين كل الناس . ).
وملئ جزول خرجه بما نبشه من جوف الجبل وحمله على حماره الأسود الذي ياما قرع حافرة صخر الجبال وعاد الى امه خفيفا كأنما تحمله النسمات
وماان وصل الدار هش اليها راكضا صارخا ببرائة طفل ابن تسع (تعالي يااماه ارويش عطيت ابوي ) لكن لطيفة المتأنية تجيبه( اصبر خلنا احلب الشياه اول )
وهاهي تقدم لأبنها قدحا من الحليب الدافئ وتباسطه( هاه ياجزول هات ورني عطيت ابوك )
فيفتح جزول خرجه المتكدس بفرحة كفرحة طفل بيوم العيد فأذا هي صخور من فضة لامعه ويضاحك امه غامزا في مرح ( آه يامه كلما كنت اقول لأبوي ياباه على ايش ندور في شعف الجبال كان يقولي ندور على جبين أمك الأنور والله ابوي صادق ملى جبينك يامه احب الي من فضة جبل الجنان
ابتسمت امه برضا وقناعه وقالت مترحمة على زوجها المعشوق صدق ابوك وجدودك ثق بأبوك وامك احياء كانوا او اموات
ومضى جزول الى اقرب بلدة اليه وباع فضته وساق قطيعا من سبع مئة رأس عنز ابيض كقلب ابيه الى شعب يكدر وقدم منهن ثلاثمئة رأس وخمسين فحلا مهرا لبنت الحلال التي لم يقدم لمثلها مهرا كريم كهذا منذ اربعمئة وخمسين سنة في قبائل رعاة الجبال
وهاان جزول يجلب معه بعض اصهاره ويقاسمهم خيرات شعب يكدر وجبال الجنان وفضتها من وقت لأخر
ولازالت ذرية جزول ال باعكدار واصهاره ال بادواس يتوارثون الى اليوم جبال الجنان لايقسمهم فيها احد من الناس .
.تمت.
علوي بن محمود
أضف تعليق