
قصة قصيرة بقلمي
في الغابة
منذ قدومي الى هذه الحياة ، وأنا أسير يتيما عاريا حافي، أسير في صحاري وغابات مخيفة موحشة ، وها أنا أقترب لنهاية مشوار حياتي ، لم أتوانى يوما عن السير بهمة وجد في كل درب من دروب محطاتي السابقة، وها أنا أوشك ألوصول الى ذروة البحث والاستقصاء عن غاياتي والحصول عليها.
لم ترى عيني أعجب من مشهد مررت به في الجزء الأخير من رحلتي في الغابة ، والتي استهلكت مني ثلثي عمري .
لقد تهت في مداشر الحياة وأجواز الفلاة ، وفي عتمة الغابات، ووعورة مسالكها ودروبها الشاقة ، في يوم من الأيام، وبينما كنت أحث الخطو، في مكان مظلم بارد يملؤه الثلج والصقيع ، كنت أسير بصعوبة وببطء تعبان جوعان موجوع ، فجأة سمعت صوت أنين أنثى من حولي ومن بين أرجلي ومن بين يداي ، أنثى تئن بصوت حزين ، تأوهاتها اخترقت جدران قلبي ، امتنعت قدماي عن الاستمرار في المسير ، تحرك الدم في جميع أطرافي ، ارتعبت ، اقشعر بدني ووقف شعر رأسي يوخزني كوخز الدبابيس ، استُفِزَت أعصابي لأقصى حالاتها ، أصغي وأحاول سماع دبيب النملة ، التفت يمينا، التفت يسارا ، التفت خلفي أمامي، وفي كل الاتجاهات، ولم أرى شيئا محددا يدلني على مصدر الصوت ، توقف الصوت نهائيا ، وبعد أن جاءت ردة فعلي متأخرة، قررت تجاهل الأمر ومواصلة المسير .
انطلقت قدماي تمشي، وبعد حوالي مائة متر وفي وقت القصر بعد العصر من ذاك النهار، انبعث الصوت من جديد ثانية أمامي مباشرة ومن حولي ، صوت أنثى تستغيث بي :
_ أااااااااه ساعدني ……أاااااااااااه أغثني
أاااااااااااه النجدة من أجل الله ….حبا في الله ساعدني أاااااااااااه………
تستمر وتتواصل الأهات المستغيثة وصوتها الحزين الناعم ، وقفت أحدق في كل شبر من الأرض التي أقف عليها، وعلى غصون الأشجار وأوراقها، تأكدت أن امرأة هنا في خطر تحتاج الى مساعدتي، ويجب علي مساعدتها بأي طريقة . لم أستطع رؤية أي امرأة أمامي أو خلفي، ولا في أي اتجاه . بعد توقف استغاثات المرأة ، استعدت وعيي وفكري ، وعاودت السير الى الأمام ، لكن عشرات الأفكار بل ألألاف هاجمت دماغي كجيش من النمل يلسع خلاياه . أي حالة هذه ؟ هل هذا حلم أم علم ؟ اذا كان هذا الصوت صوت أمرأة ، فلماذا لا تظهر وأراها ؟؟؟
تابعت المسير والتقدم الى الأمام في الغابة ، واختفى صوت المرأة ، بدأت ألاحظ أنني أقترب من الوصول الى نهاية الغابة ، حيث ترأى لي مشهد سهل أخضر بدون أشجار، بدأت عيوني تلحظه على مد البصر ، وقبل الوصول من النهاية ، كانت الشمس تحث خطاها للغياب ، عاود صوت استغاثة المرأة الحزين ينطلق ثانية ، ولكن أعلى من ذي قبل ، هنا قررت التوقف وقلت :
_ أيتها الأنثى الحزينة ، أظهري وباني عليك الأمان ، فأنا أسمعك ولم أراك ، أين أنت ؟ أوعدك بأني سأساعدك بكل ما أستطيع .
_ أيها الرجل الطيب أسمعني جيدا ، أهبط الى الأرض ، وضع يدك على التراب .
ركعت على الأرض ووضعت يدي على التراب ، فأحسست بالتراب يرتفع ويهبط كحركة التنفس ، أو كحركة نبض القلب ، حالة من الذهول والاثارة اجتاحتني ، ما هذا ؟ فالتراب يهتز . قالت المرأة :
_ سيدي الطيب لا تخاف مني أرجوك ، فأنا امرأة مظلومة، وقلبي قلبه مدفون في قلبي ، أرجوك ساعدني كي يستعيد قلبي قلبه يا سيد الرجال يا…..
_ ابن كنعان ،أنا …..أنا أدعى ابن كنعان يا سيدتي ، نعم سأساعدك ، ولكن كيف لي مساعدتك ؟
_ نعم ، أنا جميلة الجميلات وأحيا بالحب وأموت من دونه ، في قلبي سرك وسر كوكب الأرض ، ما بين طول وعرض ، أنا مدفونة برغم اني حية ، ونفسي أن أسترد حياتي وأعيش كبقية الخلق ، ولا يستطيع أي انسان على وجه الكوكب مساعدتي غيرك يا ابن كنعان .
_ سيدتي كيف لي مساعدتك كي تستعيدي حياتك ؟
_ يا ابن كنعان ، هناك بالقرب منا شجرة في أعلاها وردة حمراء جميلة ، أرجوك اصعد الى أعلى الشجرة واقطفها وهاتها لي ففيها دوائي ، لكن عليك الانتباه والحذر من أشواكها الخطيرة ، ومن الحشرات التي تتجمع عليها وربما تختبئ فيها الأفاعي القاتلة ، كن حذر أشد الحذر يا رجل ، فكثير من الرجال حاولوا تسلقها وقطف وردتها من أجل قلبي ولم يفلحوا .
سرت الى الشجرة الغريبة ولمحت وردة حمراء متفتحة على أعلى قمتها، لم أرى في حياتي أجمل منها ومن رائحتها ، اقتربت من ساق الشجرة ، كانت الأشواك تملؤه ، تسلقت فوق كل الأشواك ، وحاولت بكل قوتي وعنادي الوصول الى الوردة الحمراء، فأثناء تسلقي، كنت أحس بسخونة دمي يسيل على جسدي ، أفاعي كثيرة حاولت لدغي فدستها بأقدامي وأظافري وأسناني ، بعد جهد جهيد، استطعت الوصول للوردة وقطفها ، حملتها وقفزت بها عن الشجرة قفزة خطيرة ، وصلت الأرض والدم يسيل من كل بدني ، قهقهت المرأة ضاحكة من السعادة وقالت :
_ مرحى….مرحى بك يا خير الرجال ، لا تكترث بمنظر الدم ، الان بسرعة ضع الوردة الحمراء على قلبك ، ثم ضعها على قلبي، حيث وضعت يدك على نفس بقعة التراب سابقا .
بالفعل قَرَبت الوردة الى صدري ووضعتها على قلبي ، ثم وضعتها على نفس بقعة تراب الأرض التي تتكلم معي . فجأة رأيت دخانا يخرج من رحم الأرض ، بدأ الدخان يتصاعد ويتكاثف ويرتفع ، ثم تشكل على هيئة كتلة دخان داكنة ، وانبرى ليكشف عن وجه مخلوقة أنثى لم ترى عيوني مثلها في كل العباد أو البلاد ، احتوتني والتفت حولي ، شعرت بسعادة في قلبي لم أعهدها من قبل ، بدأت المرأة بالارتفاع ، أقدامها ثابتة على الارض، واحدة على النهر، والثانية على البحر ورأسها يناطح السحاب ، انها أمرأة جميلة حقا ، فأنا أعجز عن وصفها حقيقة، سألتها :
من أنت يا أجمل أمرأة شاهدتها في حياتي ؟
فأنت تشبهين أمي .
_ واصل يا ابن كنعان ، لا تتوقف أنا أ ………..
أضف تعليق