
يقظــــــة الـــوعــي (الجـــزء الثـــاني والأربعــــين):-
الــوعـي والأحــــداث الجــارية – الجـــزء الثـــامن والأخـــير.
فـي البــدايـة نتــأمـل ونتـــدبر كلمـــة أو مصـــطلح أمـة فـي كتـــاب الله الكــريم.
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. ســورة آل عمــران 110.
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا. ســورة النســاء 41.
وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. ســورة الأعــراف 164.
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ. ســورة الأحقـــاف 18.
وفـي الأختـــلاف بيـــن الأمــم:
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. ســـورة هــود 118.
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. ســورة النحـــل 93.
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. ســورة الشـــوري 8.
وفـي الأمــر بالـوحــدة.
إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ. ســورة الأنبيـاء 92.
وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ. ســورة المؤمنــون 52.
الفـــرق بيـن مفهـــوم الأمـة والـدولـة مســـألة جـوهـرية. لآن آي منظــومـة لبنــاء نظـــرية لا تبــــدأ الا بتعـريفـات واضــحة وثابتــــة. والا فالنظـــرية ســـتكون ناقصــــة (قاصـــرة) أو مقـلـدة وفــق الأهـــواء مـن نظـــريات آخـــري ليســـت ثابتــــة أنمـا تـم التــرويج لهـــا. لأبـــد أن تكــون المعــاني الحقيقـــية التـي لا لبــس فيهــــا للمصــطلحات والمفـاهـيم وفـق ســـياق لا شـــك فيـــه.
الأمـة هـي كلمـــة تمتــلك فـي باطنهــــا معــاني لا يدركهــــا الا مـن أدرك وأيقـــن وأمــن. ومـن هنـــا يــآتـي المعــني الحقيقـــي أصــلاح البـــال فـي كــل أمــور الدنيـــا والآخـــرة “وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ. ســورة محمــد 2”.
الغـــرب (المتنــــورين) لـديـه القـــدرة عـلي نحـــت المصــطلحات (أعتبـــارهـا مـن الأصــنام والأوثـــان التـي تقــدس حــد العبـــادة) وألباســـها معـــاني وفــق أســـتراتيجيتـه. وهــذا مـا نهــي الله تبــارك وتعــالي عنــه فـي كتــابه الكــريم “وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ. ســورة البقـــرة 42”.
الأمـة هـو لفـــظ قــرآني أســتخدمـه الرســـول الكـريـم صــلي الله عليــه وســـلم فـي وثيقـــة المدينـــة المنــورة بعــد الهجـــرة. وكلمـــة أمـة كانـــت تضـــم المهـــاجـرين والأنصــــار (الأوس والخــزرج وغــيرهـم) وكـان منهــم غــير المســـلمين. وكـان فـي الوثيقــــة أن المؤمنيـــن والمســـلمين أمـة واحــدة مـن دون النــاس. لـقــد أخــذ الرســول الكـريـم عليــه الصــلاة والســلام قــول الله تبــارك وتعــالي فـي الأعتبـــار “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. ســورة البقـــرة 256”.
وهــذا يعــني أن الأمـة هـي التعـريــف الأول للتشـــكيل السـياســي والأقتصـــادي والأجتمـــاعي وفقــــا لمفهـــوم المنهـــج والتكليــــف فالحقـــوق والواجبـــات عـلي الجميـــــع دون تفـــرقة. فالأمـة ليســــت مملكـــة أو أمبـــراطوريـة أو دولــة أو غـــيرهـا. فالأمـة هـي التركيبـــــة المجتمعيـــــة التـي ينشــــأ عنهــــا القــوامـة المتكــاملة للحفـــاظ عـلي حيــــاة النـاس ولتطـــبيق مبــادئ المصـــالح التـي تـدبر الحيـــاة فـي أفضــــل الصـــور. لــذا الأمـة ليســــت Nationأو القوميـــة كمـا يترجمهــــا الغـــرب.
الأمـة هـي بنـــاء آخـــر يكفــــل للجميـــع حيـــاة فاضـــلة وكريمـــة وهـي مـن تحـــدث عنهـــا الفلاســـفة فـي الخيــــال. وفـي الحقيقــــة هـي ليســــت بخيــــال بــل هــي منهـــج وتكليــــف أذا مـا تـم تطبيقــــه عـلي أرض الـواقــع كـان الصـــلاح والأصـــلاح. مظـــلة الأســـلام هـي مـن تجمـــع الفصـــائل العــديدة مهمـــا أختلفــــت قوميتهـــــا وأعراقهــــا وأصـــولهـا تحـــت هــذه المظـــلة دون تفـــريق بينهــــم. ويتضـــح ذلــك فـي قـول الرســول صــلي الله عليـه وســلم.
لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ، ولا لأبيضَ على أسودَ ، ولا لأسودَ على أبيضَ – : إلَّا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمَ ، وآدمُ من ترابٍ
المحــدث: الألبــــاني والمصـــدر: شــرح الطحـــاوية وخلاصـــة حكــم المحـــدث: صـــحيح.
يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ.
الـــراوي: جــابـر بـن عبـد الله والمحـــدث: الألبـــاني والمصـــدر: غــايـة المـــرام وخلاصــة حكــم المحــدث:صــحيح.
ويتضـــح ذلـك فـي قــول الله تبـــارك وتعــالي:
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ. ســـورة الأنعــام 165.
وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ. ســورة الزخــرف 60.
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ. ســورة الـزخـرف 32.
انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا. ســورة الأســراء 21.
التفضـــيل غـير منســـوب لنــوع أو عــرق أنمـا التفضـــيل فـي الأرزاق والأخــلاق والمحاســـن والمســاوئ والمنــاظـر والأشـــكال والألــوان.
الأمـة قيمــة معرفيــــة تتخطـــي المنظــومـة الأدراكيـــة العــرفية الغربيـــة والأسـتشـراقية. والتـي تحكــم الفكــرة فـي الـدولـة القوميــــة أو الـدولـة القطـــرية التـي لهـــا حـدود مرســومـة صــناعيـا تتوســـع تــارة وتتقلــص تــارة آخــري.
فالأرض جميعهــــا لله تبـــارك وتعـــالي (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. ســـورة الأنبيــاء 105 – أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ. ســورة الأعــراف 100 – إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ. ســورة مـريـم 40).
الأمــة مصـــطلح عــريق فـي الثقـــافة والتــراث وهــو رؤيـــة لطبيعــــة العـلاقــات بيــن النـاس دون قوميـــة أو قطـــرية. القوميـــة والقطـــرية تـم أصـــطناعهـا للصـــراع والتشـــديد. أمـا الأمـة فهـــي أرســـاء لقــواعـد الأمـن والأمــان والســـلام. فالأمـة ترفــض وتجـــرم الصـــراع فلبنـــاتهـا هـي الأتصـــال والتواصــــل بيـن النـاس بشـــكل عــام. ولهـــذا قــال الله تبـــارك وتعـــالي (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. ســورة البقــرة 256 – وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ. ســورة التــوبة 6).
الأمـة فيهـــا التـراحـم والمســـئولية أتجـــاه الآخــــر وليـس الصـــراع مـع الآخـــر. لــذا الأمــة أكـــثر ثبـــــات مـن الـدولـة (الـدولـة يتـــداول أمــرهـا مـن طبقــــة أو فئـــة الـي آخـــري وقــد يفســــر ذلـك الحكــم العـــاض والحكــم الجــائر فـي أحـاديـــث الرســـول صــلي الله عليـه وســـلم). الأمـة تســتمد رســـوخها وثبـــاتهـا مـن الحـــق. والحـــق ثابــــت لا يتبـــدل ولا يتغـــير وفــق أهــواء الطبقــــات أو الفئــــات التـي تعتـــلي ســـدة الحكـــم.
دســـتور الأمــة هــو المنهـــج والتكليــــف وهـو مـركـز السـياســـة والأســـتراتيجيـة بكـــل فروعهــــا وأنمــاطهـا ونواحيهــــا اللأزمــة لأســـتقرار الحيـــاة الفــردية والأجتمـــاعية وبالتــالي الأممــــية.
لــذا تـم تفكيــــك معــني الأمــة فـي أتفـاقيـــة ســايكـــس – بيكـــــو وبعــدهـا تـم ترســـيم مـا يســمي بالحـــدود الجغــرافية التـي مزقــــت أوصـــال الأمـة الـي كيـــانـات منفصــــلة. وصـــارت الحـــدود الجغــرافيـة المصــطنعة فيمــا بعـــد الـوهـم المقــدس الواجـــب الدفـــاع عنـــه. وصـــار مـا أســـموه بالــدول تصـــارع وتـدافـع عـن الحــدود الجغــرافية المصــطنعة وتـم طمـــس أو نســـيان الأمــة وهـي الأصـــل الثابـــــت.
تـم تقـديـس حـــدود ســايكـــس – بيكـــــو (حــدود الشـــيطان) وتـم نســـيان رابطـــة الأمــة المقدســــة وهـي الأصــــل.
فعنـــدمـا يـتم التمســــك بالفـــروع (الـوهـم) عـلي حســـاب الأصــــل تســـقط الأمـة وتضـــعف وتـزول حضـــارتهـا مهمــا كـانــت عريقـــــة. وهكـــذا صـــار الفــاعـل مفعـــول بــه دون أن يـــدري مـن شـــدة الضـــلال والغـــوايـة. الأكـــثر وطـــأة أن بالتقســـيم حدثـــت القطيعــــة مـع التــاريخ والأرث الحضـــاري وصـــار التــاريخ الجغـــرافي أهـم مـن أرث الأمـــة.
بــل وصـــار مفهـــوم المواطنــــة منســـوب الـي الحـــدود الجغــرافيـة وغــير منســـوب الـي الأمــة والتـي هــي أصـــل المواطنــــة.
القطيعــــة صـــارت مـع الماضـــي وبالتــالي أنعكســــت عـلي الحاضـــر والمســـتقبل. بخــلاف قطيعــــة الجـــوار نظـــرا للطبيعــــة الجغــرافيـة التـي تـم فرضـــها أو أقرارهــــا. ومـن هنـــا آتـــت مصـــطلحـات وطنيــــة وقوميــــة وعنصـــرية وعصـــبية وبالتــالي التشـــدد وفــق العنصـــرية والعصـــبية.
ومـع القطيعــــة دب الـوهـن والتبعيـــــة لفقـــدان المـركـز الجيوســياســي الأســـتراتيجي والـذي كـان فـي الأصـــل يعتمـــد عـلي الأمـــة كبـــؤرة. تـم تمــزيق الأمــة العربيــــة وفـي المقـــابل تـم أنشـــاء الأتحــــاد الأوروبـــي كـأمـة فـاعــلة لهـا ثقلهـــا الجيوســياسـي والأســــتراتيجي.
أســـئل الله العفـــو والعافيـــــة.
أكتفـــي بهــذا القـــدر.
خـالـد عـبد الصـــمد.

أضف تعليق