
ماذا يفعل الاستبداد بالوجدان؟
الاستبداد لا يقتل الجسد فقط، بل يمد يده الخشنة إلى الأعماق، إلى ما لا يُرى، إلى الوجدان. حين يعيش الإنسان في ظل حكم مستبد، لا تكون المشكلة فقط في القوانين الظالمة أو غياب العدالة، بل في ما يصيب روحه من بلادة، وخوف، وشعور مزمن باللاجدوى.
في ظل الاستبداد، يصبح الصمت لغة شائعة. يتعلم القلب أن يخاف حتى من دقاته، والعين أن تخفض بصرها حتى عن الحلم، والفكر أن يعتذر عن وجوده. لا يعود الإنسان يثق بصوته، ولا بكلمته، ولا حتى بدموعه. يُعلِّمه الخوف أن يخجل من ذاته، أن يقمع فرحه، أن يرتاب من كل شعور صادق.
الوجدان، الذي هو نسيج المشاعر والضمير، يتشوه تدريجياً. يتحول الحب إلى ترف، والكرامة إلى حكاية قديمة، والحنين إلى الوطن إلى ألم لا يُحتمل. يصبح الإنسان غريبًا في وطنه، بل غريبًا عن نفسه. وكأن الاستبداد لا يكتفي بتقييد الجسد، بل يريد أن يربي في داخلك سجانًا صغيرًا، يراقبك من الداخل، يوبخك كلما فكرت بحرية أو اشتقت للكرامة.
لكن، ورغم كل هذا، يظل في الوجدان شيء عصيّ على القمع، قبس صغير من نور، لا يستطيع الاستبداد أن يطفئه تمامًا. يظل هناك حنين لما هو حق، لما هو حر، لما هو إنساني. وهذا القبس، وإن خفت، قد يكون شرارة النهوض يومًا ما. لأن الوجدان الإنساني، مهما تعرض للدهس، يظل يحتفظ ببذرة الحياة!!!
ارحمنا يا الله..
الاستاذ محمد شيخي.
أضف تعليق