الفصل الثالث (  يأس وإياب )
الشمس تميل إلى الغروب بلون ذهبي يذهب العقول وهدوء شديد يعم المكان وعلي أريكة خشبية أسند عمر ظهره إليها متطلع إلى الجدران شارد العقل لا يرى أمامه إلا صورة زهرة وردودها القاسية عليه وأنها مع كل ما فعل معها لم تستجيب له وأنها فتاة جيدة بالفعل ويتمنى أن يراها في كل لحظة وبينما هو غارق في خيالاته تدخل عليه الام فلا يشعر بها تتعجب من أمره تنادي عليه
الام : عمر … عمر … فيه ايه يابني أنت تعبان
عمر : سلامتك يا أمي مفيش حاجة
الام : إزاي انت مش هنا خالص عمالة اكلمك وانت سارح في ملكوت الله
عمر : معلش يا امي بفكر في المذاكرة والدروس
الام : ربنا يعينك ويقويك يا حبيبي … هو دا سلاحك اللي لازم تحققه
عمر : أن شاء الله يا أمي
الام :طيب يا حبيبي مش عايز حاجة أعملهالك
عمر : لا يا امي اتفضلي انت أرتاحي ولو عوزت حاجة انا هعملها لنفسي
تتركه الأم وتخرج ويعود هو لتاملاته
بتملكه إحساس شديدة بالرغبة في رؤية زهرة لكي يحتضن صورتها بعينيه قبل أن يخلد إلى النوم وعلى الفور ودون تردد نهض عمرا وخرج من المنزل قاصدا بيت زهرة لعله يلمحها ويهدأ ما بداخله…….
وصل عمر إلى المنزل فوجد الباب موصدا فشعر بالضيق وبدأ يفكر في وسيلة يرى بها زهرة فهداه عقله إلي الدوران حول المنزل من الجهة الخلفية والتي كانت بها إحدى نوافذ البيت عندما وصل عمر كانت النافذة أيضا مغلقة أخذ يسير ذهابا وإيابا ولكن بدون أمل فقرر الرجوع إلي البيت ….
في صباح اليوم التالي خرج عمر مبكرا يسابق الزمن وكأنه علي موعد مع السعادة فرؤية زهرة باتت همه الأكبر بحث عنها في القطار حتى وجدها كانت كعادتها تمسك كتابا دراسيا تراجع بعض الدروس مع صديقتها
حينها أحس بضربات قلبه تتسارع إحساس غريب لم يشعر به من قبل
ظل هكذا منتشيا بهذا الإحساس حتى نزلا من القطار وبدأ يداعبها ببعض الكلمات اللطيفة التي تظهر إعجابه بها
عمر : اخيرا شوفت القمر ربنا يديم نورك عليا
فلا تهتم وتطلب من صديقاتها عدم الالتفات له
عمر : يا جمالكم وانتوا عاملين زي الأهرامات التلاتة كدا بس أحلى هرم الوسطاني
أخذت الفتيات يضحكن لأن بالفعل أطوالهن مختلفة تشبه بالضبط الأهرام الثلاثة فكانت أطولهن قامة هي أحلام ثم زهرة تليها سميرة
زهرة : عاجبكم كدا جيبتولنا الكلام بلاش الترتيب  دا
أحلام : يعني أعمل إيه في طولي أنا بقى
سميرة : لا تعالي أنت في النص كدا مفيش أهرامات
يبدلن أماكنهن أثناء السير وهن في خجول يصحبه ابتسامة خفيفة
يضحك عمر ويقول
عمر : أول مرة أشوف واحدة لابسة شراب فردة حمرا وفردة بيضا وهي أجملكم
كل فتاة منهن تنظر إلي جوربها لتتأكد من نفسها
زهرة : يا بواختك ….. إيه الدم السم دا
أحلام : والنبي دمه عسل
زهرة : عسل أسود علي دماغه دا كرهني في المدرسة لدرجة مش عايزة أروح تاني عشان مشوفش وشه
سميرة : تحبي أكلم علي صحبه يكلمه
زهرة : متكلميش حد ولو زودها أنا هتصرف معاه
سميرة : خلاص براحتك أنت حرة
مرت الساعات وعادت زهرة إلي البيت وقد علا وجهها علامات الضيق والضجر لا تتحمل كلمة من أحد فقد ضاقت ذرعا من عمر وأفعاله المستفزة وما إن دخلت حجرتها حتي ألقت بحقيبة كتبها وجسلت علي سريرها تعض أناملها من الغيظ تتحرك داخل الحجرة ذهابا وإيابا تمسك بجبهتها وتفكر ماذا تفعل مع ذاك الشاب الأرعن المتطفل لاحظت أمها حالتها وهي تتعجب وتسأل نفسها ماذا حدث لابنتي ولماذا هي منفعلة هكذا فاتجهت إليها تسألها
الام : فيه إيه يا زهرة ؟ إيه اللي مضايقك كدا
زهرة : مفيش حاجة يا ماما اطمني أنا بس عندي شوية صداع
الأم : شوية صداع
زهرة : اه يا ماما صداع
الأم : أنت متأكدة أن مفيش حاجة غير الصداع
زهرة : يووه يا ماما قولتلك مفيش
الأم : خلاص يا بنتي خلاص … أنت هتفشي ضيفك فيا
فتتركها الأم وتخرج متجهة إلي المطبخ لتكمل إعداد طعام الغداء وبصحبتها ابنتها الكبرى أمنية
أمنية : مالها زهرة يا ماما
الأم : أنا عارفة يا بنتي … لسه بسألها هبت فيا
أمنية : هبت فيك ! إزاي يعني … هي أتجننت … أنا هروحلها
الأم : بالراحة عليها يا أمنية مش ناقصين خناق
أمنية : حاضر يا ماما هدلعها وأهننها وأخدها بالمسايسة
تخرج من المطبخ وهي تنادي زهرة
أمنية : زهرة … يا زهرتي … يا أحلي وأجمل زهرة في البيت
زهرة : أيوه يا أمنية تعالي
أمنية : إيه دا الجميل مكشر ليه كدا
مين مزعلك
زهرة : مفيش حاجة يا أمنية … أنا بس مصدعة
أمنية : علي مين الكلام دا … دا أنا أختك اللي بتفهمك من نظرة عنيكي قوليلي فيه إيه
زهرة : هقولك بس متقوليش حاجة لماما
أمنية : قلقتيني فيه إيه اتكلمي
زهرة : بصي يا ستي
بدأت زهرة تروي الأمنية كل الأحداث منذ اليوم الأول حتى الآن ومدى ضيقها من عمر وتصرفاته السيئة وحيرتها في أن توقفه عن هذه التصرفات لذا فقد قررت عدم الذهاب إلي المدرسة …. تعجبت أمنية من قرار زهرة وبادرتها  متسائلة
أمنية : وتفتكري غيابك عن المدرسة هو دا الحل
زهرة : طيب أعمل إيه أنا تعبت وقرفت
أمنية : خلاص يا زهرة أنت غيبيلك كام يوم ريحي فيهم أعصابك وتجددي نشاطك وبعدها أنا عندي الحل
زهرة : بجد يا أمنية عندك حل
أمنية : طبعا يا قلب أختك … اطمنى خالص
زهرة : ربنا يخليك ليا يارب يا حبيبة أختك
مضت ثلاثة أيام لم تذهب فيها زهرة إلي المدرسة وكانت تشعر براحة نفسية ولكنها تفتقد صديقتيها ….
في تلك الأيام لاحظ عمر غياب زهرة وأنه لم يرها لمدة يومين فكاد يجن وتزاحمت التساؤلات داخل ذهنه ترى هل هي مريضة ؟ هل أصابها مكروه ؟ هل سافرت إلى بلدها ؟ فماذا يفعل ليطمئن عليها ؟
________________________________________________

بقلم / مصطفى كرم

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ