الــوعــي وأنكـــار الســـــنة – دراســة فـي الجــذور الفكـــرية والتأثيــرات السـياســـية (الجــزء الثـالـــث):-
هــذا النــص يعتمـــد عـلي التعـــامل مـع الـرمـزيــة والتحليـــل المركـــب, وهــو دعـــوة للتفكـــــر لا للتحــــريض وآثــارة البــلابـل, وللتـــأمـل لا للمـــزايــدة, ولإعـــادة قـــراءة التــاريـخ والفكـــر بمـا يخـــدم يقظـــة الـوعـي, لا الأنفعـــال الســـطحي.
فتنــــة أنكــار الســنة النبــوية ليســـت مصــادفة، بـل مخططــــة ومدروســــة وممــولة. ومـأخـوذ فـي الأعتبـــار كـل جزئيـــة عـلي حــده، ولهـا الأقصـــائيين العامليــن عليهــــا. الفتنــــة ســلاح يـوجـه ضـــد العقيـــدة، فـأمـا يـتم تشـــويههـا أو القضـــاء عليهــــا. وبالتـالـي يــتم تكبيـــل مصــدر القــوة عـند المســلمين والمســالمين عـلي حـد ســـواء. فأنكـــار الســنة النبـــوية لـم يكــن يـومــا عفـــويـا، بــل نتــاج مشـــروع منظــم ومـدعــوم وممـــول، يســتهدف تعطيـــل مصـــدر القــوة العقــديـة لـدى المســـلمين.
فكــرة أن الســنة النبــوية تـم كتـابتهـــا بعــد وفــاة الرســول صــلي الله عليــه وســلم بحــوالي 150 ســـنة، كــذبـة فالفــارق كـــبير بيـن الكتــابة والجمـــع، وهــذه الفكــرة لأشـــاعة أن الســنة النبــوية لا ثقـــة فيهــــا.
فـي هـذه الفكـــرة تنظـــير وأســـاءة لبعـــض الكـتب المقدســــة، التـي كتبــت بعــد وفــاة مبلغيهـــــا بحــوالي 70 ســنة الـي 700 ســـنة. وهـذا لا يعتـــد بـه مصــدر للتنظـــير أو المقــارنة، الرســـائل الســماوية التـي يتـم المسـاس بنصـوصهـا الأصــلية، لهـا منهــج واحــد وتكليـــف واحــد، فرســالة نـبي الله نــوح عليـه الســلام الـي قـومـه (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. ســورة الأعــراف 59).
فالعبـــادة لله وحــدة لا شـــريك لـه، له الملـك وله الحمـــد وهـو عـلي كـل شــئ قـديــر (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. ســورة البقــرة 133).

الأعتمـــاد عـلي الآيـــات القرآنيــــة التاليــــة لا يعــني أنكــار الســـنة النبــوية، وأنمــا أبتغـــاء الفتنــــة لجعـــل القــرآن أجــزاء متفـــرقة، لكــن القــرآن الكـريـم وحــدة واحــدة لا تتجـــزأ.
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ. ســـورة الأنعــام 38.
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ. ســورة النحــل 89.
وهنـــا يحــاول البعـــض تـأويــل كلمــة الكتــاب عـلي أنهـــا القــرآن الكـريـم دون ســواه، ودون أدراك أن الله تبــارك وتعــالي لـم يخــلق عبثـــا بـل كـل شــئ عــنده فـي كتــاب وبمقــــدار.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ. ســورة الـرعـد 38.
قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى. ســورة طــه 52.
الحـاجـة الـي الســنة النبــوية واضــحة فـي الآيــات التاليــــة: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. ســورة آل عمــران 7 – بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. ســورة النحــل 44.

للرســول الكـريـم صــلي الله عليــه وســـلم وظيفتــــان الأولــي بــلاغ الـوحــي (القــرآن الكـريـم) والثانيـــة البيـــان وهـي الســنة. وكلاهمـــا وحـي مـن الله تبــارك وتعــالي (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ. ســورة النجــم).
ومــن المفــارقـات الفكـــرية المهمــة أن الدكتـــور طـه حســـين (منســوب الـي الحـداثــة والتنــوير)، والــذي أثـــار جــدلا واســـعا فـي الأوســـاط الدينيـــة والثقــافية والعلميـــة، وذلـك فـي بـدايــاتـه بســـبب كتـــابه فــي الشـــعر الجــاهـــلي (تـم أصــدارة فـي 1926م)، حيــث تعـــرض بالنقـــد غيــر المباشــر لمصــادر اللغــة والتـاريـخ الإســــلامي، ثـم عـــاد فــي مرحــلة لاحقــة مــن حيــاته إلـى التـــوازن والأنصــاف العلــمي، فكتـــب مــرآة الإســــلام (تـم أصــدارة فـي 1959م) ليؤكــد فيــه أهميــة الســنة النبـــوية، وطالــب بضـــرورة أعتمــادهـا المصـــدر الثــانـي للتشـــريع. ويعـــد هــذا التحـــول دلالــة عـلى أن البحـــث الموضـــوعـي مـع يقظـــة الـوعـي دون مؤثــرات خارجيـــة، يقـــود إلـى الهــدي والطـريق القـويـم والتقــديـر العميـــق للســنة النبــوية، لا إلى إنكــــارهـا، بعكـس مـا يــروج لـه بعـــض المتــآثـريـن بالخطــــاب التغـريبــي المعــاصــــر، ويعتـــبر هـذا جســر المـرور مـن الشــك الـي اليقيـــن.

العـلاقـة بيــن القــرآن الكـريـم والســنة النبــوية بســيطة وســهلة، فكمــا جــاء فـي أقــوال العلمــاء والباحثيـــن، أن العــلاقة لهــا (مبنيـــة عـلي) ثـلاثـة أنحــاء.
النحــو الأول وهـو الســنة المـؤكـدة، وفيهـــا يـآتـي القــرآن الكـريـم بالحكــم ثـم تــآتـي الســنة النبــوية مـؤكــدة للحكــم دون زيــادة أو نقصـــان أو تـأويـــل أو تفصـــيل، ومنهـــا عـلي ســـبيل المثــــال.
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. ســورة البقـــرة 110. (الصـــلاة والــزكــاة).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ســورة البقــرة 183. (الصـــيام).
فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ. ســورة آل عمــران 97. (الحــج).
والحديــث النبـــوي الجــامـع لهــذه الفـرائـــض (بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَانَ.  الـــراوي: عبـد الله بـن عمـــر والمحـــدث: البخــاري والمصــدر: صــحيح البخــاري وخلاصــة حكــم المحـــدث: صـــحيح).
وهكـــذا الســنة النبــوية تـذكـر مـا جــاء فـي القــرآن الكـريـم مـن فــروض دون زيــادة أو نقصـــان أو تـأويــل.
أكتفـــي بهــذا القــــدر ونكمـــل فـي الأجــزاء القـادمـة أن شـــاء الله تبــارك وتعــالي.
خـالـد عـبد الصـــمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ