
الــوعــي وأنكـــار الســـــنة – دراســة فـي الجــذور الفكـــرية والتأثيــرات السـياســـية (الجــزء الخـامـس):-
هــذا النــص يعتمـــد عـلي التعـــامل مـع الـرمـزيــة والتحليـــل المركـــب, وهــو دعـــوة للتفكـــــر لا للتحــــريض وآثــارة البــلابـل, وللتـــأمـل لا للمـــزايــدة, ولإعـــادة قـــراءة التــاريـخ والفكـــر بمـا يخـــدم يقظـــة الـوعـي, لا الأنفعـــال الســـطحي.
فـي الأجــزاء الســابقة ذكــر العـلاقـة بيــن القــرآن الكـريـم والســنة النبــوية بســيطة وســهلة، فكمــا جــاء فـي أقــوال العلمــاء والباحثيـــن، أن العــلاقة لهــا (مبنيـــة عـلي) ثـلاثـة أنحــاء. وتـم ســـرد النحــوين الأول والثــاني.
النحــو الثالـــث وهـي الســـنة التـي تنشـــأ أحكــامـا ســـكت عنهــــا القــرآن الكــريـم، ولـم يتعــرض لهـــا (لـم يســـنها, ولـم يقــرهـا، ولـم ينفيهــــا).
وعـلي ســـبيل المثــال أحاديــث النـبي صــلي الله عليــه وســلم.
نَهَى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ علَى عَمَّتِهَا، والمَرْأَةُ وخَالَتُهَا. فَنُرَى خَالَةَ أبِيهَا بتِلْكَ المَنْزِلَةِ لأنَّ عُرْوَةَ، حدَّثَني عن عَائِشَةَ، قالَتْ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.
الـــراوي: أبـو هــريـرة والمحــدث: البخـــاري والمصــدر: صـحيح البخــاري وخلاصــة حكـم المحــدث: صــحيح.
فـي تحــريـم النكــــاح لصـــلة قــرابـة مـن الـزوجـــة.
جاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضاعَةِ، فاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ، فأبَيْتُ أنْ آذَنَ له، حتَّى أسْأَلَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَجاءَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَسَأَلْتُهُ عن ذلكَ، فقالَ: إنَّه عَمُّكِ، فَأْذَنِي له، قالَتْ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّما أرْضَعَتْنِي المَرْأَةُ، ولَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، قالَتْ: فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّه عَمُّكِ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ، قالَتْ عائِشَةُ: وذلكَ بَعْدَ أنْ ضُرِبَ عليْنا الحِجابُ، قالَتْ عائِشَةُ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ الوِلادَةِ.
الــراوي: عائشـة أم المؤمنيـن والمحــدث: البخــاري والمصــدر: صـحيح البخـــاري وخلاصـة حكـم المحــدث: صــحيح.
أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ نَهَى يَومَ خَيْبَرَ عن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ في لُحُومِ الخَيْلِ.
الــراوي: جـابـر بـن عبـد الله والمحــدث: مســلم والمصــدر: صــحيح مســلم وخلاصــة حكـم المحــدث: صــحيح.
فـي تحــريـم أكـل الحمــر الأهليــــة.
مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. ســورة الحشــر 7.
بتــدبر جـزء مـن الآيــة الكريمـــة (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ)، الرســول يبـلغ ويبيــن، البــلاغ فـي كتــاب الله تبــارك وتعــالي، وفـي البيــان الأيضــاح أو التـأكـد عـلي مـا جـاء فـي كتــاب الله تبــارك وتعــالي، وبالمنطــق والتحليـــل المنطقــي والنقــدي، كيــف لكتــاب واجــب التبليـــغ بـه دون وضــع المعــاني والمرجعيــات له؟ أليـس الكتــاب هـو كلمــات الله ســبحانه وتعـالي وتفســير كلمــات الله وتأويلهــــا هـي أيضـــا مـن وحـي الله، فلكــي تكــون رســالة الكتــاب واضــحة لا لبــس فيهــــا ويجــب وجــود المعــاني التفصــيلية لهــا، وهــذا يعــني أن كلمــات الله وتأويلهـــا نزلــت عـلي الرســول صـلي الله عليـه وسـلم بـوحـي مـن الله تبــارك وتعـــالي.
ومـن تـدبـر كلمــات الله تبــارك وتعــالي، نجــد أن الســنة النبــوية قـد تكــون ذكــرت بأســـم الحكمــــة. والحكمـــة أعطــاهـا الله تبــارك وتعــالي لكـل الرســـل (لا فـرق بيـن رســول وآخــر)، وذلـك لبيـــان القـواعـد والمنهــج والتكلـــيف، والأمثــلة فـي الآيــات القرآنيـــة كــثيرة، منهـــا عـلي ســبيل المثــال.
ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا. ســورة الأســراء 39. (نـبي الله محمـد عليـه الصـلاة والســلام).
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. ســورة البقــرة 151. (نـبي الله محمـد عليـه الصـلاة والســلام).
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. ســورة الجمعــة 2. (نـبي الله محمـد عليـه الصـلاة والســلام).
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ. ســورة ص 20. (نبـي الله داوود عليـه السـلام).
فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ. ســورة البقــرة 251. (نبـي الله داوود عليـه السـلام).
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. سـورة البقــرة 129. (نبـي الله أبراهـيم عليـه السـلام).
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا. ســورة النســاء 54. (نبـي الله أبراهـيم عليـه السـلام).
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ. ســورة آل عمـران 48. (نـبي الله عيسـي عليـه السـلام).
وَلَمَّا جَاءَ عِيسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. ســورة الـزخـرف 63. (نـبي الله عيسـي عليـه السـلام).
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. ســورة القـصص 14. نـبي الله موسـي عليـه السـلام.
فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ. ســورة الأنبيـاء 79. أنبيـاء الله داوود وسـليمان عليهمـا السـلام.
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ. ســورة آل عمـران 81. الأنبيــاء كـافـة دون تفــريق فـي الرسـالة مـن كتــاب وحكمــة.
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. سـورة النسـاء 163.
يتضـــح مـن الآيــات الســابقة أن الحكمــــة مـا هـي الا الســـنن وهـي وحـي مـن عنــد الله تبــارك وتعــالي. وذلـك لتجنــب بشــرية الأنبيــاء والرســل فـي البيـــان لرســالة الله ســبحانه وتعــالي.
أكتفـــي بهــذا القــــدر ونكمـــل فـي الأجــزاء القـادمـة أن شـــاء الله تبــارك وتعــالي.
خـالـد عـبد الصـــمد.
أضف تعليق