الــوعــي وأنكـــار الســـــنة – دراســة فـي الجــذور الفكـــرية والتأثيــرات السـياســـية (الجــزء السـادس والأخــير):-
هــذا النــص يعتمـــد عـلي التعـــامل مـع الـرمـزيــة والتحليـــل المركـــب, وهــو دعـــوة للتفكـــــر لا للتحــــريض وآثــارة البــلابـل, وللتـــأمـل لا للمـــزايــدة, ولإعـــادة قـــراءة التــاريـخ والفكـــر بمـا يخـــدم يقظـــة الـوعـي, لا الأنفعـــال الســـطحي.
فـي الجــزء الســابق كــان الـربـط بيــن الكتـــاب (الرســـالة) وبيــن الحكمــــة (الســـنن)، وكلاهمــا مـن وحـي الله تبــارك وتعــالي لتجنــب بشــرية الأنبيــاء والرســـل فـي التـأويـل والأجتهـــاد فـي بيـــان المعـــاني.
الكتــــاب والحكمـــة وحـي الله تبـــارك وتعــالي للرســـل، تعاليـــم الرســالة يجـــب ســـنها لتعليــم النـاس، الحديــث الـواعـظ المخــوف. وهـذا هـو تعليــم الحكمــــة. (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ. ســورة الأعـلي 5).
وفـي الآيـــات القرآنيــــة يتضـــح أن هنـــاك كتـــاب، وأيضـــا هنـــاك حكمــــة، ولكــلا منهمــــا معنـــي، فليـس الكتــاب والحكمــة لهمـا نفــس المعــني. مـن قـواعـد اللغــة العربيـــة مـا يــآتي بعــد واو العطـــف مغــاير فـي المعــني لمـا قبـــله، بمعــني أســــتحالة أن يعطـــف الشــئ عـلي نفســــه. لآن العطـــف يقتضـــي أثنيـــن، آي يقتضــي المغــايرة ليكــون هنـــاك معطـــوف ومعطــوف عليـــه.
والحكمــــة ألهيـــة لا تـوكـل الـي بشـــرية، آيــا مـن الرســــل حتـي النبـي محمــد صــلي الله عليـه وسـلم، أنمـا هـي تعليــم ربــاني ســـماوي ( مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. ســورة الحشــر 7).
فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ. ســورة الحجـــر.
فالســـنن هـي بيــــان مـا فـي الرســـالة وعـلي ســـبيل المثـــال أقـامـة الصـــلاة وأداء المناســـك بشــكل عــام.

مشـــروع الشـــيطان واضــح لا يحتـــاج الـي تفســـير أو تـأويــل (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا. ســورة النســاء 119).
يقظـــة الـوعـي واجـــب واليقظـــة الخصـــبة مرتبطــــة بالعقـــيدة، ليكــون المــدد ســـماوي لا شـــيطاني.
وأخــيرا لأبـــد مـن أدراك لكــي تكتمـــل الحقيقـــة لأبـــد مـن تنــاغـم وأنســـجام الأيمـــان مـع المعــرفة.
المعــرفة هـي الأســتمرار فـي البحــث لمســـتوي أعمـــق، ليـس فقـــط حـول الحقــائق العلميــــة، ولكــن بالســـعي النفســـي (الـروحـاني أو الغيبـــي)، مـع الـواقــع العلمــي الملمــوس.
هنــاك نتــائج علميــــة تحتـــاج الـي التفســـير المنطــقي لكــي تكتمــــل، وهــو الأدراك أو اليقيـــن بالغـــيب.
وهنـــا قـد نكتشـــف أن الأيمــان والمعــرفة، ليـس شـــيئين منفصـــلين، بــل الأيمــان والمعــرفة وجهــان لعمــلة واحــدة.
المعــرفة عـلي ســـبيل المثـــال لكــي نفهـــم الخـــلق، بينمـــا الأيمــان هـو كيـــف نـدرك وجــود الخــالق. وهنـــا المفــارقة، المتنـــورين يختلفـــوا فـي الفـــرق بيــن المعــرفة القائمـــة عـلي الأدلــة العلميـــة، والمعتقـــدات التـي بالنســبة لهـم لا يمكـــن أثبـاتهــا.
المعــرفة مـن خــلال العقـــل والحـواس مـاديــة، أمـا المعــرفة مـن خــلال مـا هــو مــدون فـي الكتـــاب الســماوي تختلـــف تمــامـا مـع المعــرفة المكتســـبة المـاديـة الملموســــة. فمـا هــو غــير مـدرك علميـــا الآن قـد يكتشــــف فـي المســتقبل القريــب أو البعـــيد.
أنســـجام المــادة مـع الغــيب هـو التعايــش فـي رضـــا وســـلام، فقوانيـــن الطــبيعة هـي خــلق الله تبــارك وتعــالي، بينمــــا الأيمـــان يمنحنــــا الأرشـــاد لفهــم هـذه القوانيـــن الجـامـدة.
لــذا الأيمـــان والعــلم يجعـــل العــالم والحيــاة أكــثر أكتمـــالا، أكــررهـا فالعــلم هـو الطريقــــة التـي نفهـــم بهــا الخــلق، أمـا الأيمــان هـو كــيف نفهـــم ونســتوعـب قـــدرات الخــالق. وبالتــالي الأيمــان والعــلم يـؤديــان الـي نفــس الحقيقــــة بشــمولية أكــبر لا عــوار فيهـــا. فالأيمـــان هـو التواصـــل مـع مـا هـو أبعـــد مـن متنــــاول العقـــل البشـــري والحـواس.
البحـــث يقـــود دائمـــا أن الأيمــان والمعــرفة والحكمـــة، وحــدة واحــدة لا تتجـــزأ، وهــذا هــو التنـــوير الحقيقـــي الجــامع بيــن الأيمــان والعــلم.
أســـئل الله العفـــو والعافيـــــة.
أكتفـــي بهــذا القـــدر.
خـالـد عـبد الصــمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ