الــوعـي والـــزمـن – الجــزء الثـالـــث.
فـي الأجـزاء السـابقة كــان محــاولة لتفســير الـزمـن مـن القــرآن الكـريـم ومـن العــلوم المـادية المختلفـــة.
مـن حديــث عـن النبـي محمـد صــلي الله عليـه وســلم “ما السَّماوات السّبع في الكُرسيِّ إلَّا كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وفضلُ العرشِ على الكُرسيِّ كفضلِ تلك الفلاةِ على تلك الحلقةِ. الــراوي: أبـو ذر الغفــاري والمحــدث: الألبــاني والمصــدر: التعليــق عـلى الطحــاوية وخلاصــة حكـم المحــدث: هـذا القــدر فقـط صــح مـرفـوعــاً”.
عــندما شــرع الله تبــارك وتعــالي فـي خـلق الأنســان، أرتبــط الأنســان بالأرض فالخــلق الأول هــو آدم، وآدم مـن آديـم الأرض، فالأرض هـو مـوقـع التعايـش وأزدهـار الحضـارة للأنســان “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. سـورة البقــرة 30”.
والأنســان خـلق ضــعيفا لا يــري ولا يســمع ولا يـدرك الا القليـــل “يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا. ســورة النسـاء 28″، وعـلي الـرغـم مـن ضــعف الأنســان الا أنـه لا يـريد الأعتــراف بذلـك، فيجــادل ويطغـــي “الطغيـان تحـت ذريعـة القـدرة والأكتفــاء”، بـلا أدراك لماهيتــه ولمـا خــلق مـن أجــله (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا. ســورة الكهــف 54 – كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ. ســورة العـلق 6).

الأرض هـي البيئـــة التي يحيـــا عليهــا الأنســان، والله تبــارك وتعــالي هيــئ هـذا المكـان لأعاشــة الأنســان، بحمايتهـــا مـن كـل مـا قـد يتســـبب فـي الأخــلال بالنظــام البيئــي المخــلوق للمخـلوقـات. والأنســان لا يـري مـن الحيــاة الدنيـــا الا مـا ســمح لـه برؤيتـــه، ولا يســمع الا مـا ســمح لـه بســماعه، ولا يـدرك الا مـا ســمح لـه بـأدراكـة.
وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)  أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ. ســورة الــروم.
وهـذا يعـني أن الأنســان قاصـــر، وأن عـلومـة محــدودة وقليــلة، فهــو لا يســمع ولا يـري ولا يــدرك الا مـن جانـب واحـد أو مـن ناحيــة واحــدة. فالـرؤية والسـمع والأدراك غـير متكـاملة والنتيجــة المنطقـية هـي المحــدودية.
لــذا عنــدما أخــبر الله ســبحانه وتعــالي الأنســان عـن عـالـم الأنســان المحــدود “مكـان الســكن والجــيران المحيطـه بـه”، ذكــر الأرض والشـمس والقمــر والســـماوات “وهـي كـل مـا عـلا الأنســان”، وعلميـــا الأرض مـا هـي الا كوكــب مـن كواكـب المجمــوعة الشـمســية “تـم تجهــيزة بأتقــان ليناســب حيـاة الأنســان وفــق قـدراته التـي خــلق عليهــا”، آي حلقـه فـي فـلاه مـن المجمـوعة الشـمسـية، والمجمـوعة الشـمسـية مـا هـي الا حلقـه فـي فـلاه مـن مجــرة درب التبــانة، ومجــرة درب التبــانة مـا هـي الا حلقـه فـي فـلاه مـن عنقــود العــذراء المجــري، وعنقــود العــذراء المجــري مـا هـو الا حلقـه فـي فـلاه مـن العنقــود الفـائق لانيـاكيــا، وهكـــذا.
وكـل هـذه المسـاحة الشـاســعة “لـم يـدرك منهــا العـلم الا القليـــل”، مـا هـي الا جــزء مـن خــلق الله ومـلك الله وعـلم الله “بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. ســورة البقــرة 117”. وبتدبــر وتـأمـل آيـة الكرســي والتـي عكـس عظــيم قيــومية الله تبـارك وتعــالي، فـي خــلق الكــون بكـامـل محتــوياته ومكــوناته.
وكـل مكــان فـي هـذا الخــلق البـديع لـه حــدود الزمكــان الخاصــة بـه، فلكــل مكــان زمــان خـاص بـه وفـق ســـنن وقوانيــن الله الخـالق البــارئ المصــور.
لــذا أخــبرنا الله تبــارك وتعــالي بكيفيــــة حســاب الـزمـن فـي الأرض، ولـم يخــبرنا بماهيــــة الـزمـن. ويتضــح ذلـك مـن آيــات الله ســبحانه وتعـالي فـي كيفيــة حســاب الـزمـن.
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. ســورة التـوبة 36.
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ. ســورة يونـس.
وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. ســورة يـس.

وهنــــا لأبــد مـن تـدبـر وتـأمـل حـديـث رســول الله صـلي الله عليـه وسـلم فـي حجـــة الـوداع.
الزَّمانُ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَةِ يَومَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ؛ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بيْنَ جُمادَى وشَعْبانَ، أيُّ شَهْرٍ هذا؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، فَسَكَتَ حتَّى ظَنَنَّا أنَّه سَيُسَمِّيهِ بغيرِ اسْمِهِ، قالَ: أليسَ ذُو الحِجَّةِ؟ قُلْنا: بَلَى، قالَ: فأيُّ بَلَدٍ هذا؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، فَسَكَتَ حتَّى ظَنَنَّا أنَّه سَيُسَمِّيهِ بغيرِ اسْمِهِ، قالَ: أليسَ البَلْدَةَ؟ قُلْنا: بَلَى، قالَ: فأيُّ يَومٍ هذا؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، فَسَكَتَ حتَّى ظَنَنَّا أنَّه سَيُسَمِّيهِ بغيرِ اسْمِهِ، قالَ: أليسَ يَومَ النَّحْرِ؟ قُلْنا: بَلَى، قالَ: فإنَّ دِماءَكُمْ وأَمْوالَكُمْ – قالَ مُحَمَّدٌ: وأَحْسِبُهُ قالَ – وأَعْراضَكُمْ علَيْكُم حَرامٌ، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، وسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَسَيَسْأَلُكُمْ عن أعْمالِكُمْ، ألَا فلا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ، ألَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ؛ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَن يُبَلَّغُهُ أنْ يَكونَ أوْعَى له مِن بَعْضِ مَن سَمِعَهُ -فَكانَ مُحَمَّدٌ إذا ذَكَرَهُ يقولُ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- ثُمَّ قالَ: ألَا هلْ بَلَّغْتُ؟ مَرَّتَيْنِ.
الــراوي: أبـو بكــرة نفيــع بـن الحــارث والمحــدث: البخــاري والمصــدر: صـحيح البخــاري وخلاصـة حكــم المحــدث: صــحيح.
أســتدار الـزمـن آي تـم تصــحيح التوقيــت الزمـني بالقيـاس الـوارد فـي آيـات الله تبــارك وتعــالي، والمقصــود هـو التقــويم الهجــري، وكـان هــذا فـي حجــة الـوداع لكـي تســتقيم الأمـة وفـق هــذا التوقـــيت، فالحـج بالتوقيـــت لـم يكـن كمـا أرســاه الرسـول صـلي الله عليـه وســلم، بـل كـان فـي الأشـــهر الحـرم دون تقنيــن للمناســـك ويـوم عـرفه وغــيرها.
والرســول صــلي الله عليـه وســلم لا ينطــق عـن الهــوي، فكـل ما آتـي بـه وحــي ســواء القـرآن الكـريم أو الســنة. ولهـذا كـان ســكوت الرســول الكـريـم صــلي الله عليـه وســلم، لأنتظــار رد الـوحـي والـوحـي لا يحمــل الا كلمـات الله وأوامـر الله وســنن الله تبــارك وتعـالي. ومـن هـذا الحديــث تـم تصــحيح الأخطـاء فـي التقـويم الهجــري.
أكتفــي بهــذا القــدر ونكمـــل فـي الأجــزاء القـادمـة أن شــاء الله تبــارك وتعــالي.
خـالــد عـبد الصـــمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ